zagros news agency

الكورد وتحولات الشرق الأوسط الكبرى بين انهيار الأنظمة الإقليمية وتصدعات الداخل… صادق سيريني

قراءة نقدية في التشتت السياسي الكوردي بين الفرصة التاريخية ومخاطر التحولات الإقليمية

 

 

حتمية التحول في الأنظمة الإقليمية

إن التحولات العميقة التي تشهدها بنية الشرق الأوسط السياسية والأمنية لا يمكن قراءتها بوصفها أحداثا ظرفية عابرة أو تقلبات مرحلية مؤقتة، بل باعتبارها جزءا من مسار تاريخي طويل يعيد تشكيل خرائط النفوذ وموازين القوة في الإقليم. فالدول، شأنها شأن الإمبراطوريات، لا تنهار فجأة، وإنما تدخل تدريجيا في مسارات التآكل البنيوي عندما تصبح كلفة استمرارها أعلى من قدرتها على إنتاج الاستقرار أو تحقيق المصالح التي أوجدتها.

وانطلاقا من هذه القاعدة، تشير القراءة الواقعية لمسار التاريخ، وللاستراتيجيات بعيدة المدى التي تنتهجها القوى الدولية الكبرى – والتي تتحرك وفق منطق توازن القوى وحسابات الكلفة والعائد – إلى أن النظام السياسي في إيران يتجه نحو مرحلة متقدمة من الإنهاك المؤسسي والتآكل البنيوي، بما قد يفضي إلى اختلالات عميقة تهدد بنيته واستقراره. وعند هذه النقطة، لا يعود السؤال المركزي متعلقا بإمكان حدوث التحول، بقدر ما يصبح متعلقا بتوقيته وشكله ومآلاته.

وفي أعقاب ذلك، تبرز تركيا بوصفها إحدى الحلقات المرشحة للدخول في دائرة الضغوط البنيوية والتحولات الداخلية، حيث قد تواجه تحديات متراكمة ذات أبعاد سياسية واجتماعية وقومية، من شأنها إعادة تعريف موقعها الإقليمي وأدوارها المستقبلية.

فحين تصبح كلفة الإبقاء على الترتيبات السياسية القائمة أعلى من جدواها الاستراتيجية، لا تتردد القوى الكبرى في إعادة رسم الخريطة وصياغة معادلات جديدة للنفوذ والتوازن.

ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: هل تمتلك الأمة الكوردية، ومعها النخبة السياسية الكوردية، ما يكفي من الجاهزية الوطنية والاجتماعية والمؤسسية للتعامل مع هذه التحولات التاريخية الكبرى؟

 

الفرص التاريخية الضائعة وشلل الإرادة السياسية

لقد كشفت الانتفاضات والحركات الاجتماعية خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما عقب استشهاد الشابة الكوردية (ژينا ئەمينی) وانطلاق حركة “المرأة، الحياة، الحرية”، عن حجم الطاقة الكامنة في المجتمع الكوردي، وعن قدرته على إنتاج أشكال جديدة من الفعل السياسي والنضال المجتمعي.

وقد مثّلت تلك اللحظة فرصة تاريخية نادرة كان من الممكن أن تؤسس لرؤية قومية جامعة، ولمشروع سياسي عابر للانقسامات التقليدية، يعيد توجيه البوصلة الكوردية نحو استحقاقات المرحلة المقبلة. كما أن كثيرا من التنبيهات والدراسات والرؤى الاستراتيجية التي وُجّهت إلى النخب السياسية آنذاك لم تكن سوى محاولة لاستشراف التحولات القادمة وبناء مقاربة استباقية للتعامل معها.

غير أن بعض القوى السياسية قصيرة النظر، والعقليات غير الناضجة، والأحزاب التي ما تزال أسيرة الحسابات الضيقة، وقعت في ما يمكن وصفه بالشلل الاستراتيجي؛ أي تلك الحالة التي يفقد فيها الفاعل السياسي قدرته على المبادرة وصناعة الحدث، ويتحول من لاعب مؤثر إلى متلقٍ سلبي لنتائج الأحداث.

وفي علم السياسة، عندما تغيب الرؤية الاستراتيجية وتُستبدل بردود الأفعال الآنية، يصبح القرار السياسي أسيرا للظروف بدلا من أن يكون موجها لها. وعندئذ لا يتحرك الفاعل السياسي إلا بعد استفحال الأزمة وضيق هامش الخيارات.

ومن هذا المنظور، يمكن القول إن الفرصة التاريخية التي أتاحتها انتفاضة (ژينا ئەمینی) لم تُستثمر بالقدر الذي يسمح بتحويلها إلى مكسب قومي واستراتيجي يعزز الموقع السياسي للكورد في المعادلات الإقليمية الجديدة.

 

تناقضات المشهد السياسي الكوردي

أزمات البنية الداخلية

على الرغم من امتلاك الكورد موقعا جغرافيا بالغ الأهمية، وثروات طبيعية وبشرية معتبرة، وموقعا جيوسياسيا يجعلهم أحد الفاعلين المحتملين في مستقبل المنطقة، فإن التناقضات الداخلية والانقسامات البينية ما تزال تشكل العائق الأكبر أمام تحويل هذه الإمكانات إلى قوة سياسية مؤثرة.

 

ويمكن تلخيص أبرز هذه التناقضات في ثلاثة أبعاد رئيسة:

أولا: الثروة الاقتصادية في مواجهة الأُمّيّة السياسية..

لقد أفرز تراكم رأس المال والنمو الاقتصادي فرصا كبيرة لبناء مؤسسات قومية راسخة وقوة وطنية مستدامة، غير أن ضعف البنية الفكرية والعقلانية السياسية لدى بعض القوى أدى إلى توظيف جزء مهم من هذه الموارد في صراعات جانبية ونزاعات داخلية محدودة الأفق. وهكذا تحولت الثروة، التي كان ينبغي أن تكون رافعة للبناء القومي، إلى مورد يُستنزف في معارك لا تنتج قيمة استراتيجية حقيقية.

ثانيا: التمكين المادي في مواجهة ضيق الأفق السياسي..

بدلا من توظيف عناصر القوة المتاحة في خدمة مشروع قومي جامع، جرى في كثير من الأحيان تسخيرها لحماية مصالح حزبية أو مناطقية ضيقة. وتكمن خطورة هذه الظاهرة في أنها لا تؤدي فقط إلى إهدار الموارد، بل تحول عناصر القوة ذاتها إلى عوامل انقسام واستقطاب، فتفقد وظيفتها الوطنية وتتحول إلى أدوات تنافس داخلي.

ثالثا: الموقع الاستراتيجي المصيري في مواجهة أزمة الوعي السياسي..

يحتل الكورد واحدًا من أكثر المواقع الجيوسياسية حساسية في الشرق الأوسط، وهو موقع كان من الممكن أن يتحول إلى مصدر قوة استثنائي لو جرى استثماره ضمن رؤية قومية موحدة. غير أن الخلافات الداخلية والصراعات البينية استنزفت جانبا كبيرا من هذه الطاقة، وحولت الاهتمام من إدارة التحديات الكبرى إلى الانشغال بالنزاعات الثانوية. وحين تتراجع الأهداف القومية الكبرى إلى الهامش، تتآكل الطاقة الحيوية للمجتمع، وتتحول الإمكانات المتاحة من عناصر للنهوض إلى عوامل للتفكك والاستنزاف.

 

القرار الوطني في مواجهة معادلة التاريخ

إن مراجعة التاريخ الكوردي الحديث – من معاهدة لوزان، مرورًا بنكسة عام 1975، وانتفاضة عام 1991 وما أعقبها من موجات نزوح جماعي، وصولا إلى أحداث السادس عشر من أكتوبر 2017 – تكشف بوضوح أن الأمة الكوردية دفعت مرارا أثمانا باهظة نتيجة غياب الاستعداد الاستراتيجي في اللحظات المفصلية التي شهدت فيها المنطقة تحولات كبرى.

واليوم يجد الكورد أنفسهم مرة أخرى عند مفترق طرق تاريخي، حيث تتقاطع الفرص الاستثنائية مع المخاطر الوجودية. فالمتغيرات المتسارعة في إيران، واحتمالات التحول في تركيا، قد تفتح نافذة تاريخية نادرة أمام أمة تمتلك الوعي والتنظيم ووحدة القرار. غير أن التاريخ لا يمنح فرصه للأمم استنادا إلى عدالة قضاياها فحسب، بل وفق مستوى جاهزيتها وقدرتها على تحويل التحولات الإقليمية إلى مكاسب استراتيجية مستدامة.

أما القوى التي تعاني الانقسام وتفتقر إلى الرؤية الموحدة والتخطيط الاستراتيجي، فقد تجد نفسها أمام تحولات كبرى تعجز عن استثمارها، بل وربما تتحول بالنسبة لها إلى مصدر إضافي للضعف والخسارة.

ومن هنا، فإن السبيل الأكثر أمنا لعبور هذه المرحلة المضطربة يتمثل في توحيد الإرادة الوطنية حول قيادة تمتلك الخبرة السياسية والرؤية البعيدة والقدرة على إدارة التوازنات المعقدة.

وفي هذا السياق، يبرز الرئيس مسعود بارزاني بوصفه أحد أبرز الرموز السياسية الكوردية المعاصرة، بما يمتلكه من رصيد نضالي متراكم، وحضور كاريزمي مؤثر، وخبرة طويلة في إدارة الأزمات والتحولات الكبرى. وهي خبرة جعلت منه فاعلا رئيسا في العديد من المحطات المفصلية التي مرّت بها القضية الكوردية، وتمنحه اليوم موقعا متقدما في أي معادلة تتصل بمستقبلها وموقعها ضمن الترتيبات الإقليمية المقبلة، بما يسهم في توجيه البوصلة الوطنية نحو حماية المصالح القومية العليا وصون المكتسبات الاستراتيجية للشعب الكوردي.

 

ألم المعرفة والاستشراف

إن معاناة المثقف الكوردي والإنسان الكوردي الواعي في هذه المرحلة لا تكمن في عجزه عن فهم التحولات الجارية، بل في إدراكه المبكر لمآلاتها، وفي رؤيته الواضحة للأخطار القادمة، في مقابل استمرار حالات اللامبالاة والتخبط التي تعطل حسن استثمار الفرص التاريخية، بينما لا تزال قطاعات من النخبة السياسية أسيرة الحسابات الضيقة وردود الأفعال الآنية.

وتلك هي المعضلة التي تناولها الفكر السياسي والفلسفة تحت مفهوم “ألم المعرفة والاستشراف”؛ إذ يتحول الوعي أحياناً من نعمة إلى عبء حين يرى صاحبه ما لا يراه الآخرون، ويقرأ ملامح العاصفة قبل هبوبها، ويستشرف نهايات المسارات قبل أن تتضح للعيان. فليست كل المعاناة وليدة الجهل، بل إن أشدها مرارة قد تكون ثمرة المعرفة نفسها حين تُقابل بالتجاهل أو بالصمت أو بالعجز عن تحويل الرؤية إلى فعل والاستشراف إلى قرار، في الوقت الذي لا تستعيد فيه دوائر القرار حسَّ الاستجابة لصوت التحذير إلا بعد أن تضيق مساحة الخيارات وتتبدد فرص التدارك.

ولعل أخطر ما في التحولات الكبرى أنها لا تمنح الأمم فرصة ثانية دائما، فالتاريخ لا يكافئ المترددين، ولا ينتظر المتأخرين عن إدراك لحظتهم التاريخية. وإما أن تُحسن الأمم قراءة التحولات وتحوّلها إلى مكاسب استراتيجية مستدامة، وإما أن تتحول تلك التحولات نفسها إلى أسباب جديدة للخسارة والتراجع. وبين هذين الاحتمالين تقف الأمة الكوردية اليوم أمام واحد من أكثر امتحاناتها التاريخية حساسية وتعقيدًا؛ امتحان لا يتعلق بامتلاك الفرصة بقدر ما يتعلق بالقدرة على استثمارها، ولا بسلامة القضية بقدر ما يتعلق بسلامة الإدارة السياسية لها. فكم من أمة امتلكت قضية عادلة، لكنها أخفقت في إدارة لحظتها التاريخية، وكم من شعب أحسن قراءة المتغيرات فحوّلها إلى نقطة انطلاق نحو مستقبل مختلف.

ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في انتظار ما ستؤول إليه التحولات الإقليمية، بل في الاستعداد لها، وصناعة الموقع الذي يليق بالأمة الكوردية في خريطة الشرق الأوسط الجديد.

هەواڵی پەیوەندیدار

الاول دائماً…صبحي ساله يي

کەریم

الخامس من اذار في نظرتين… فاضل ميراني

کەریم

من مسارات العلاقة بين الكورد وبغداد … فاضل ميراني

کەریم