أكد المرصد العراقي للحريات الصحفية أن السلطات العراقية قامت بمداهمة مكاتب قناة “عراق الحدث” الفضائية في العاصمة بغداد، وأوقفت بثها بشكل كامل، مع تداول مزاعم بشأن ممارسة القناة الابتزاز ضد عدد من الشخصيات السياسية، في حادثة أثارت جدلا في البلاد وتباين وجهات النظر بين مدافع عن حرية التعبير ورفض تكميم الإعلام وبين من يرى أن الكثير من المنابر حادت عن المهنية.
وأوضح المرصد في بيان أن “إدارة القناة أبلغته بأن مفارز أمنية، برفقة قوة من الاستخبارات وممثل عن هيئة الإعلام والاتصالات، نفذوا عملية الدهم داخل مكاتب القناة، ما أسفر عن إيقاف البث.”
وعبّر الصحافي العراقي قصي شفيق عن دهشته من الخطوة، ووجّه رسالة إلى هيئة الإعلام مطالبًا بالكشف عن الأسباب الحقيقية وراء إيقاف بث القناة دون سابق إنذار.
وأضاف شفيق، في منشور عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أن “الهيئة قدمت شكوى ضد القناة بدعوى عدم تسديد أجور عام 2024، رغم أن أول بث رسمي للقناة انطلق في نهاية شهر يناير من عام 2025. ”
واستنكر في تغريدة أخرى تسريب تعهد خطي كتب داخل القناة من قبل القوة الأمنية بحضور موظف هيئة الإعلام والاتصالات.
وثيقة رسمية وقع عليها المدير العام وضابط الأمن الوطني وموظف هيئة الإعلام والاتصالات، جنابك عندك علم بالقانون العراقي تسريب وثيقة حكومية رسمية من مؤسسات الدولة يحاسب عليه القانون.
وقالت جمعية الدفاع عن حرية الصحافة إن قاضي محكمة تحقيق الكرخ الثالثة أصدر حكما قضائيا بإغلاق القناة وإيقاف بثها، لأسباب غير معلومة.
وذكر عدد من العاملين في القناة للجمعية أن القوة داهمت مكتب القناة الواقع في منطقة القادسية، وطلبت إخلاءه على الفور، استنادا إلى قرار قضائي صادر من محكمة تحقيق الكرخ الثالثة، مبينين أن إدارة القناة طالبت القوة الأمنية بشرح أسباب الإغلاق، لكن القوة الأمنية لم تكن تعلم بذلك، وقد نفذت أمرا قضائيا.
وأضافت الجمعية في بيان أنها “إذ تستغرب إصدار مثل هذا القرار القضائي، فإنها تعتبر الأمر مخالفة دستورية صريحة، لاسيما وأن هذا القرار القضائي هو الأول من نوعه منذ عام 2003 إلى حد الآن، إذ جرت العادة أن تقوم هيئة الإعلام والاتصالات بإرسال إنذار أو إخطار، وتقوم هيئة الأمناء بشرح الأسباب، والتصويت على الإغلاق المؤقت أو التعليق المؤقت لبرنامج ما، وليس لقناة بأكملها.”
وأكدت الجمعية أن هذا الحادث “يؤشر نكوصا جديدا في حرية العمل الإعلامي والصحفي المكفولين دستوريا، وسابقة خطيرة تؤشر انحدار البلاد نحو منزلق الأنظمة الدكتاتورية المقيتة، التي تقدم على إغلاق القنوات بقرارات قضائية دون شرح الأسباب القانونية لذلك.”
وأثارت هذه الحادثة القلق بشأن مستقبل حرية الإعلام في العراق، وسط تساؤلات متزايدة عن مدى شفافية الجهات الرقابية ودورها في تنظيم المشهد الإعلامي.
في المقابل كان هناك من زعم أن الإغلاق جاء بسبب “ممارسات غير مهنية من قبل القناة واتهامها بممارسة الابتزاز ضد الحكومة وعدد من الشخصيات المعروفة” رغم عدم وجود دلائل أو بيانات رسمية توثق هذه المزاعم، ودافع أصحاب هذا الرأي عن إغلاق القناة.
ويرى متابعون أن الغموض وعدم الإعلان عن أسباب إغلاق القناة زادا من انتشار الشائعات والروايات المتناقضة، غير أن مخالفات وانتهاكات مارستها الكثير من وسائل الإعلام التي يقف وراءها متنفذون سياسيون كانت أيضا سببا في فقدان الثقة بالإعلام عموما، ما جعل الكثيرين يدافعون عن إغلاق وسائل إعلام عديدة.
وشهد العقد الأخير بروز مجموعة من مقدّمي برامج الحوارات السياسية في الفضائيات المحلية العراقية، الذين يستخدمون برامجهم لمهاجمة سياسيين أو تلميع صورة آخرين لمصلحة القنوات التابعة لهم.
ولم تكن هذه البرامج بعيدة عن الصراعات السياسية بين مالكي تلك الفضائيات وهم زعماء كتل سياسية ورجال أعمال يتنافسون ليس في السياسة فحسب، بل حتى على مستوى مؤسساتهم التي يملكونها.
واستُخدم بعض مقدمي البرامج في هذه الصراعات، وصاروا أحد أبرز وجوه الصراع الذي يتكشف للجمهور بمجرد انتقال مقدم برامج من فضائية إلى أخرى، ويدفع مالكو القنوات مبالغ مالية كبيرة للوجوه البارزة التي يُريدون انتقالها إلى مؤسساتهم.
ويعرف مالكو الفضائيات، وهم من السياسيين أو رجال الأعمال الذين لديهم مصالح سياسية، أن قنواتهم التلفزيونية لن تؤثر في الجمهور من دون وجود مقدمي برامج بارزين، لذا لا يهمهم دفع رواتب عالية وهدايا مالية أيضًا.
وتصل رواتب بعض مقدمي البرامج إلى آلاف الدولارات وبعضهم حصل على مبلغ بمئات الآلاف للموافقة على الانتقال إلى قناة أخرى مالكها منافس سياسي وتجاري لمالك القناة التي كان فيها، والهدف من ذلك الابتزاز والتأثير. وتنشط البرامج السياسية ذات الحوارات التفاعلية التي تلقى صدى واسعًا في الشارع العراقي، وكثيرًا ما تشهد عراكًا بين الضيوف يبلغ حد الشتائم والتهديد.
وتوجد في العراق قرابة 60 فضائية مملوكة للحكومة ولسياسيين ورجال أعمال وجماعات مسلحة ومؤسسات دينية، وتتفاوت نسب المشاهدات فيها ورواتب الموظفين كذلك، وتبرز مجموعة قليلة من الفضائيات التي تتجاوز رواتب بعض مقدمي البرامج فيها حاجز الـ10 آلاف دولار.
ويحاول بعض مالكي تلك الفضائيات استقطاب مقدمي البرامج البارزين الذين يمتلكون نسبة مشاهدات أكبر، ويقل عادة جمهور فضائية ويزداد جمهور أخرى بمجرد انتقال أحد المقدمين البارزين من الأولى إلى الثانية، وهو ما يجعل الفضائية المستقطبة أكثر تأثيرًا شعبيًا وسياسيًا.
العرب

