مع اقتراب موعد الانتخابات العراقية المقررة في نوفمبر المقبل، يعود ملف السلاح المنفلت إلى الواجهة بوصفه أبرز القضايا الخلافية، ليس فقط على مستوى الأمن الداخلي، بل كعلامة فارقة في معركة تحديد مستقبل الدولة العراقية: دولة القانون والمؤسسات، أم دولة الميليشيات والولاءات العابرة للحدود.
وكشف ما جرى في الأسابيع القليلة الماضية هشاشة التوازن القائم، وأظهر أن أي محاولة لإعادة فرض سلطة الدولة على السلاح قد تُقابل بردود فعل عنيفة، ما ينذر بانفجار محتمل إذا ما استمرت الأطراف على مواقفها المتصلبة.
وفي 26 يونيو، وجه ممثل المرجعية الدينية العليا في كربلاء، عبد المهدي الكربلائي، رسالة قوية للطبقة السياسية خلال خطبة الجمعة، طالب فيها بإصلاح شامل، وبتفعيل دور الدولة في بسط سلطتها، خصوصًا عبر حصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية.
ورغم أن المرجعية لم تذكر الميليشيات بالاسم، إلا أن الرسائل كانت واضحة، خصوصًا في تأكيدها على ضرورة التصدي للتدخلات الخارجية، ورفض ازدواجية السلاح، ومحاربة الفساد. وبعد أقل من أسبوع، التقط زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، الرسالة وذهب بها إلى مستوى أكثر صراحة.
وفي بيان نشره في 4 يوليو، دعا إلى حل الميليشيات، وتسليم السلاح إلى الدولة، وتحصين استقلال القرار العراقي بعيدًا عن “الفاسدين وأتباع الخارج”، مؤكدًا أن “الباطل لا يُدفع إلا بتسليم السلاح المنفلت إلى الدولة.”
ويقول المحلل الأمني العراقي أمير الكعبي في تقرير نشره معهد واشنطن إن خطاب الصدر بدا هذه المرة أكثر حزمًا من سابقاته، ليس فقط لأنه أشار بوضوح إلى الجماعات المسلحة المدعومة من إيران، بل لأنه وضع المسألة في إطار استحقاق انتخابي: إمّا دولة بجيش موحد، أو لا دولة. وأثارت هذه التصريحات ردود فعل غاضبة من قادة فصائل “المقاومة” المرتبطة بإيران.
وفي 5 يوليو، هاجم حساب أبوعلي العسكري، المتحدث باسم ميليشيا كتائب حزب الله، بيان الصدر بلهجة لاذعة، واعتبر أن الدعوة لتسليم السلاح في هذا التوقيت تمثل “خيانة لدماء الشهداء”، في إشارة إلى قتلى الميليشيات في الحرب ضد داعش والوجود الأميركي.
وفي واحدة من أكثر العبارات استفزازًا، وصف العسكري الداعين لحل الفصائل بـ”الجبناء والمخنثين”، ما اعتُبر إساءة شخصية مباشرة للصدر، وهدد بتصعيد خطير داخل البيت الشيعي.
ولاحقًا، حاول حسين مؤنس، زعيم “حركة حقوق” القريبة من كتائب حزب الله، التخفيف من حدة التصعيد، مدّعيًا أن “المقصود بالوصف المهين هم من يثيرون هذه الملفات بدافع الجهل أو بأجندات مدفوعة،” لكنه لم ينجح في نزع فتيل الأزمة.
وفي 16 يوليو، دخلت عصائب أهل الحق على خط المواجهة عبر تصريح لعضو البرلمان علي التركي، حذّر فيه الصدر من “التسرع”، معتبرًا أن “الحشد الشعبي باقٍ إلى ظهور المهدي”، وأن من يتحدث عن تفكيكه “مجرد صدى لا يغير شيئًا،” في إشارة تهكمية إلى أن الصدر يكرر كلام المرجعية دون أن يمتلك التأثير الحقيقي.
وتحدثت مصادر أمنية عراقية عن استنفار محدود في صفوف “سرايا السلام” التابعة للصدر بعد إساءة أبوعلي العسكري، وسط أنباء عن خطط لتحرك مسلح في بغداد استُبعد في اللحظة الأخيرة بسبب أجواء شهر محرم. لكن هذه الحادثة، وفق المراقبين، تؤشر إلى هشاشة الهدوء القائم، وأن انفجارًا داخليًا بين فصائل شيعية مسلحة قد لا يكون بعيدًا، خاصة إذا لم يتم احتواء التصعيد الخطابي وتحقيق توافق حول مستقبل السلاح خارج الدولة.
وفي ظل الانقسام الحاد بين تيار يدعو إلى “استعادة الدولة” من قبضة الميليشيات، وتيار يرى في السلاح “المقاوم” جزءًا من الهوية الشيعية والدفاع عن البلاد، تتحول الانتخابات المقبلة إلى ساحة اختبار قاسية. فهل تكون صناديق الاقتراع بداية استعادة هيبة الدولة؟ أم بداية مواجهة مفتوحة بين الصدر وخصومه المسلحين؟
وفي كلا الحالتين، يبدو أن العراق يقف على حافة لحظة مفصلية، حيث لم يعد الصراع يدور فقط حول من يحكم، بل حول أي دولة يريد العراقيون بناؤها: دولة القانون، أم دولة الميليشيا؟
وتاريخيا، تعود مشكلة السلاح المنفلت في العراق إلى ما بعد سقوط نظام صدام حسين في 2003، حين غابت الدولة المركزية لفترة طويلة وظهر فراغ أمني هائل.
وسمح هذا الفراغ بتشكّل العديد من الجماعات المسلحة والميليشيات التي أخذت السلاح بأيديها، مستغلة حالة الفوضى لتعزيز نفوذها السياسي والميداني.
ومع استمرار ضعف المؤسسات الأمنية العراقية وعدم قدرتها على فرض سيطرتها، تحولت هذه الفصائل إلى قوى موازية تمارس تأثيراً كبيراً على المشهد السياسي، ما صعّب من مهمة بناء دولة موحدة وسيادة القانون.
وفي الوقت نفسه، لم تكن هذه الظاهرة محلية فقط، بل تأثرت بشكل كبير بالتدخلات الإقليمية التي تعدّ أحد أبرز عوامل استمرار السلاح المنفلت. فدول مثل إيران وتركيا تنشط في العراق عبر دعمها لفصائل مسلحة مختلفة تتوافق مع مصالحها الإستراتيجية.
وحوّل هذا الدعم الذي يمد هذه الميليشيات بالمال والسلاح والخبرات، العراق إلى ساحة صراع بالوكالة بين هذه القوى الإقليمية، مما يعقد إمكانية حصر السلاح بيد الدولة ويزيد من تعقيدات الأزمة الأمنية والسياسية. وليس تأثير السلاح المنفلت مقتصراً على السياسة أو الأمن فقط، بل له انعكاسات اجتماعية واقتصادية عميقة.
وفي المجتمعات التي تنتشر فيها الأسلحة خارج إطار الدولة، يسود جو من الخوف وعدم الاستقرار، مما يؤدي إلى ارتفاع معدلات العنف والجريمة، ويعيق حركة الحياة اليومية للمواطنين.
ويؤثر وجود ميليشيات مسلحة قوية سلباً على فرص الاستثمار والتنمية، إذ ينظر المستثمرون إلى مثل هذه البيئات على أنها غير مستقرة وخطرة، ما يؤدي إلى تراجع النمو الاقتصادي وتأخر إعادة الإعمار.
في ظل الانقسام الحاد بين تيار يدعو إلى “استعادة الدولة” من قبضة الميليشيات، وتيار يرى في السلاح “المقاوم” جزءًا من الهوية الشيعية والدفاع عن البلاد، تتحول الانتخابات المقبلة إلى ساحة اختبار قاسية
وعلى الرغم من خصوصية الوضع العراقي، إلا أن تجارب دول أخرى شهدت ظاهرة انتشار السلاح المنفلت تقدم دروساً مهمة. لبنان وأفغانستان، على سبيل المثال، واجهتا تحديات مماثلة في محاولة ضبط سلاح الميليشيات ودمجها في مؤسسات الدولة، مع نتائج متباينة.
وبعض هذه التجارب أظهرت أهمية الحوار الوطني والقبول بالمصالح المتبادلة لتقليل العنف، في حين أن إخفاقات أخرى تؤكد مدى صعوبة الفصل بين الفصائل المسلحة والسياسة في بيئات متشابكة ومعقدة. ومن جهة أخرى، يلعب المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان والمؤسسات الدولية دوراً متزايد الأهمية في ملف السلاح المنفلت.
وتعمل هذه الجهات على رفع الوعي بمخاطر استمرار وجود السلاح خارج الدولة، وتدعو إلى التوافق الوطني والحوار الشامل، كما تضغط على الأطراف السياسية لضمان عودة الدولة إلى موقعها الطبيعي.
ولا شك أن دعم المجتمع الدولي، سواء عبر الوساطة أو المساعدات الفنية، يمكن أن يشكل رافعة مهمة لتحقيق تقدم في هذا الملف الحيوي.
وفي ضوء هذه الخلفيات المتشابكة، تتضح صعوبة المهمة التي تواجه العراق في ضبط السلاح وإعادة بناء مؤسسات الدولة. فهي ليست فقط معركة داخلية ضد الفوضى، بل هي أيضاً صراع إقليمي ودولي تتداخل فيه المصالح السياسية والاقتصادية، ويتشابك فيه الأمن بالمجتمع والتنمية بالسياسة.
وفي ظل هذه التعقيدات، فإن أي خطوة عملية نحو السيطرة على السلاح يجب أن تراعي هذه الأبعاد المتعددة، وإلا فإن العراق سيظل يعاني من معضلة وجود كيانات مسلحة موازية تعيق مستقبله واستقراره.
العرب

