تواصل الصين تعزيز حضورها الاقتصادي في العراق بوتيرة متصاعدة، عبر التركيز على مشاريع إستراتيجية ذات طابع تنموي طويل الأمد، فبعد أن رسخت وجودها في قطاع النفط والطاقة، تتجه اليوم إلى قطاعات حيوية أخرى مثل تحلية المياه.
ويعد فوز شركة “باور تشاينا” بعقد لإنشاء محطة تحلية مياه البحر في البصرة، أحدث مؤشرات الحضور الاستثماري الصيني المتزايد في العراق، والذي يتسع ليشمل قطاعات حيوية ترتبط بحياة المواطنين بشكل مباشر.
ويثير هذا الاتفاق تساؤلات بشأن التقارير التي تحدثت في نوفمبر الماضي عن تجميد بغداد اتفاق “النفط مقابل الإعمار” المبرم بين العراق والصين، وما إذا كانت بغداد قد قررت استئنافه أم أن المشروع منفصل عن ذلك الاتفاق.
وكان تقرير منشور في موقع ديبلومات الأميركي قد سلط الضوء في نوفمبر الماضي على ما وصفه بـ”التطور الجيوسياسي الكبير” في المنطقة، حيث تعثر اتفاق “النفط مقابل الإعمار”، والذي تبلغ قيمته 10 مليارات دولار، وهو ما يشكل نقطة تحول في ديناميكيات القوة في الشرق الأوسط.
ويشكل ملف المياه أحد التحديات الكبرى التي تواجه العراق نتيجة التغير المناخي وتقلص تدفقات نهري دجلة والفرات، ما يجعل أي استثمار في هذا المجال جزءا من بنية الاستقرار الداخلي للبلاد.
وينسجم هذا التوجه مع سياسة الصين الخارجية خلال السنوات الأخيرة والتي تعتمد إستراتيجية الاستثمار في البنية التحتية مقابل النفوذ، خاصة في دول تعاني من تحديات تنموية وأزمات تمويل، وهو ما ينطبق على العراق. وتسعى بكين عبر مبادرة الحزام والطريق إلى بناء شبكة من المصالح الاقتصادية من خلال مشاريع تمنحها موطئ قدم مستقرا في العراق.
وفي المقابل يجد العراق في الشراكة مع الصين فرصة لتسريع تنفيذ المشاريع المتأخرة، في ظل تراجع أو تباطؤ الشركات الغربية في الدخول بقوة في السوق العراقية بسبب المخاوف الأمنية -حيث تبدو الشركات الصينية مستعدة أكثر لتحمل مستويات من المخاطر مقابل ضمانات طويلة الأجل وتمويل مرن.
وقال مسؤولون الخميس إن شركة باور تشاينا الصينية فازت بعقد بقيمة نحو أربعة مليارات دولار لبناء محطة كبيرة لتحلية مياه البحر في مدينة البصرة بجنوب العراق بالشراكة مع شركة عراقية محلية. ووضع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني حجر الأساس للمشروع، الذي ستبلغ طاقته الإنتاجية اليومية مليون متر مكعب، ومن المتوقع أن يبدأ التشغيل التجاري في يونيو 2028.
وتعد المحطة جزءا من جهود الحكومة لمعالجة النقص الحاد في المياه بالمنطقة الجنوبية. وذكر مسؤولون عراقيون ووثيقة تتعلق بالمشروع أنه يتضمن أيضا إنشاء محطة كهرباء بقدرة 300 ميجاوات لتزويد محطة تحلية المياه بالكهرباء.
ولا يقتصر الحضور الصيني على قطاع المياه، بل يمتد الى مشاريع الطاقة الكهربائية والموانئ وتوسيع شبكات سكك الحديد، ويبرز هنا مشروع مثل الاتفاق الإطاري المعروف بـ”النفط مقابل الإعمار” الذي أتاح للصين المشاركة في تطوير البنية التحتية مقابل حصولها على كميات من النفط العراقي، وهي معادلة تمنح الصين موقعا متقدما في الاقتصاد العراقي يبدو أنه بدأ يزعج السلطات العراقية التي اضطرت إلى تجميد العمل بالاتفاق.
ومع تزايد اعتماد العراق على الشركات الصينية لتنفيذ هذه المشاريع، تبرز تساؤلات حول التوازن في العلاقات الخارجية لبغداد. ورغم أن الشراكة مع الصين تتيح فرصا تنموية كبيرة إلا أن التمركز الاستثماري الصيني الكبير قد يؤدي على المدى الطويل إلى اختلال في الشراكات الدولية للعراق، ما لم تحرص الحكومات المتعاقبة على تنويع شراكاتها وتعزيز بيئة العمل لتكون جاذبة للمستثمرين من مختلف الجنسيات.
العرب

