قررت السلطات الإيرانية تنفيذ خطة إزالة الأصفار من عملتها الوطنية في إجراء نقدي مثير للجدل، يقول محللون إنه لا يعدو أن يكون حلا ترقيعيا لن ينعكس على الاقتصاد أو حياة الناس في ظل العقوبات الغربية القاسية.
وتأتي الخطوة التي طال الحديث عنها منذ سنوات في ظل ظروف ضاغطة تشهدها البلاد، من ارتفاع معدلات التضخم وظروف معيشية صعبة للكثير من الإيرانيين، والتي لطالما سعت السلطات إلى إحاطتها بالكثير من السرية.
ووافقت اللجنة الاقتصادية في مجلس الشورى الأحد على مشروع قانون لإزالة أربعة أصفار من العملة التي شهدت انخفاضا مطردا في السنوات الأخيرة، خصوصا بسبب العقوبات الدولية، حسب ما ذكرته وسائل إعلام رسمية.
وأشار المتحدث باسم اللجنة حاكم مامكان الاثنين إلى أن مقترح الحكومة يهدف إلى “تسهيل المعاملات والتدقيق داخل مؤسسات الدولة.”
ونقل موقع إيكانا التابع للمجلس عن رئيس اللجنة الاقتصادية شمس الدين حسيني قوله إن “اجتماع اللجنة الاقتصادية اليوم (الأحد) وافق على اسم الريال كعملة وطنية، وكذلك إزالة أربعة أصفار.”
وكان محافظ البنك المركزي محمد رضا فرزين أعلن في مايو أن الريال الإيراني “لا يتمتع بصورة إيجابية” في الاقتصاد العالمي.
ووفقًا للمسؤولين في البنك المركزي، فإن هذه العملية ستتم على مراحل تمتد لعدة سنوات، بهدف إتاحة الوقت الكافي لتكييف الأنظمة المصرفية والمحاسبية، وتثقيف المواطنين، وتعديل العقود الرسمية والأسعار في الأسواق.
وبحسب مشروع القانون فإن الريال الجديد سيعادل 10 آلاف ريال حالي، وسيتم تقسيمه إلى 100 قيران، وهي وحدة تعادل السنت، بحسب حسيني.
وطرح الاقتراح في عام 2019 قبل أن يُسحب. والآن يتعين طرحه للتصويت في مجلس الشورى وأن يقره مجلس صيانة الدستور، الجهة المسؤولة عن مراجعة القوانين.
وخلال السنوات الأخيرة واصل الريال انخفاضه، خصوصا بعد انسحاب الولايات المتحدة عام 2018 من الاتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني وإعادة فرض عقوبات على طهران.
وتسارع الانخفاض أيضا منذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في يناير الماضي، بعدما اتسمت ولايته الأولى بسياسة “الضغوط القصوى” على إيران.
وذكرت صحيفة “دنيا الاقتصاد” المحلية اليومية أن سعر الدولار بلغ في السوق السوداء 925 ألف ريال الأحد، مقارنة مع 913.5 ألف ريال السبت الماضي.
ولتبسيط المعاملات أطلق الإيرانيون منذ سنوات على عملتهم اسم “التومان” وذلك بطرح صفر من قيمة الريال، وهو ما يتسبب في ارتباك للزوار الأجانب.
بحسب القانون فإن الريال الجديد يعادل 10 آلاف ريال حالي، وسيقسم إلى 100 قيران، وهي وحدة تعادل السنت الأميركي
والهدف المعلن من الخطوة هو تقليص الأرقام المتضخمة التي باتت سمة بارزة في الحياة الاقتصادية اليومية في إيران، نتيجة عقود من التضخم المتراكم.
وعلى سبيل المثال تُحسب أسعار السلع الأساسية والخدمات بمئات الآلاف، إن لم يكن الملايين، من الريالات، وهو ما أدى إلى تعقيد العمليات الحسابية وإثقال كاهل المحاسبين والمواطنين على حد السواء.
كما أن هذا الوضع أضعف هيبة العملة الإيرانية على المستوى المحلي والدولي، وجعل التعامل النقدي مرهقًا ومربكًا في الكثير من الأحيان، حتى في التجارة الخارجية بالعملات المحلية مع عدد من الشركاء.
ومع ذلك، فإن خبراء اقتصاديين يشيرون إلى أن إزالة الأصفار من العملة، رغم فوائدها الشكلية والإدارية، لن تؤدي بالضرورة إلى معالجة المشكلات الاقتصادية العميقة التي تواجهها إيران.
ويؤكد هؤلاء أن التضخم، الذي يُعد أحد أبرز دوافع الخطوة، هو نتيجة لعوامل هيكلية، مثل ضعف الإنتاج المحلي، والعجز في الموازنة العامة، واعتماد الاقتصاد بشكل مفرط على الصادرات النفطية، إلى جانب الضغوط الخارجية الناتجة عن العقوبات.
وفي ضوء ذلك، فإن تغيير شكل العملة دون إصلاح هذه العوامل لا يكفي لضمان استقرار مالي طويل الأمد.
ويرى آخرون أن الخطوة قد تكون محاولة من الحكومة لاحتواء الغضب الشعبي وتقديم صورة عن تحكمها في الوضع الاقتصادي، خاصة في ظل تدهور القدرة الشرائية للمواطنين، وتراجع قيمة الريال أمام العملات الأجنبية، لاسيما الدولار الأميركي.
وتتخوف أوساط مالية من أن إزالة الأصفار قد تفرز فوضى مؤقتة في الأسواق، خاصة إذا لم ترافقها حملة توعوية شاملة وفعالة تستهدف كافة شرائح المجتمع، وبالأخص في المناطق الريفية أو بين الفئات الأقل تعليمًا.
وتشير تجارب دول أخرى إلى أن نجاح عملية إعادة تقييم العملة يعتمد على وجود سياسات اقتصادية متكاملة تضمن الاستقرار النقدي والمالي.
فتركيا مثلًا تمكنت من إزالة ستة أصفار من عملتها عام 2005 في إطار برنامج اقتصادي شامل أدى إلى خفض التضخم وتعزيز ثقة المستثمرين، بينما فشلت دول مثل زيمبابوي وفنزويلا في تحقيق نتائج مماثلة بسبب غياب الاستقرار والسياسات الاقتصادية الرشيدة.
وفي هذا الإطار ستبقى نتائج الخطوة الإيرانية رهنًا بقدرة الحكومة على تنفيذ إصلاحات أوسع تتجاوز الجانب الرمزي للنقد.
ومن المرجح أن تتفاوت ردود فعل الإيرانيين على القرار بين الترحيب الحذر والشك العميق. فبينما يرى البعض أن تغيير العملة قد يسهم في تبسيط المعاملات اليومية ويقلل من الشعور بتدني قيمة العملة، يعتبر آخرون أن هذه الخطوة تأتي في الوقت الخطأ.
ويعتقد هذا الشق من الإيرانيين أن القرار ربما يزيد من حالة الارتباك والغموض الاقتصادي، خاصة إذا لم تعكس الخطوة تحسنا حقيقيا في أسعار السلع والخدمات.
ووفق وسائل إعلام محلية بدأ الحديث بين أصحاب المحلات التجارية والمصارف عن التحديات التقنية المرتقبة، مثل تحديث أنظمة الدفع الإلكتروني، وتعديل لوائح الأسعار، وإعادة طباعة النقود والعملات الورقية.
ويسود اعتقاد أن عملية حذف الأصفار من العملة تظل خطوة ذات أبعاد نفسية وإدارية أكثر منها اقتصادية بحتة، وقد تشكل فرصة لتحسين النظام المالي إذا أحسنت الحكومة استغلالها وربطها بإصلاحات هيكلية أوسع.
في المقابل، إذا اقتصرت على تغيير شكلي دون معالجة جذرية للمشكلات القائمة، فإنها قد تنتهي إلى مجرد خطوة رمزية أخرى في تاريخ طويل من المشاكل الاقتصادية التي لم تُحل بعد.

