في مشهد سياسي وأمني معقد، يترقب العراق بحذر تداعيات القصف الإسرائيلي الأخير الذي استهدف الدوحة، عاصمة قطر، الدولة الخليجية التي لطالما لعبت دور الوسيط الأبرز في ملفات المنطقة. وبينما تصاعدت المخاوف من أن يتحول العراق إلى ساحة مفتوحة لأي ضربات محتملة، لجأت الميليشيات المسلحة في العراق إلى خطوة مفاجئة تمثلت في إطلاق سراح الباحثة الروسية – الإسرائيلية إليزابيث تسوركوف بعد أكثر من عامين على اختطافها في بغداد.
قصف قطر يرفع منسوب القلق العراقي
القصف الذي استهدف قيادات حركة حماس أثناء اجتماعهم في الدوحة لم يحقق أهدافه المباشرة، لكنه وجّه رسالة بالغة الخطورة: أن إسرائيل قادرة على ضرب حتى الدول التي تُحسب كأصدقاء للولايات المتحدة وليست طرفاً رئيسياً في الحرب. هذه الرسالة أثارت قلقاً متزايداً في بغداد، حيث باتت النخب السياسية والأمنية تخشى أن يكون العراق الهدف المقبل.
إطلاق سراح تسوركوف.. “حقنة مهدئة”
بعد ساعات قليلة من هذا القصف، أعلنت الميليشيات المسلحة في العراق إطلاق سراح إليزابيث تسوركوف، التي كانت قد اختُطفت في آذار/مارس 2023. خطوة وصفتها مصادر عراقية بأنها محاولة لتقديم “بادرة حسن نية” تجاه واشنطن، وإظهار قدرة الدولة على التأثير في الجماعات المسلحة، أو على الأقل إقناعها بالانصياع لمتطلبات الظرف الإقليمي الراهن.
محاولات إنقاذ ذاتي
ويرى مراقبون أن إطلاق سراح تسوركوف لم يكن سوى محاولة من الميليشيات لإنقاذ نفسها من أي ضربة عسكرية محتملة، سواء من الولايات المتحدة أو إسرائيل، خصوصاً أن التوقيت جاء بعد سبع ساعات فقط من استهداف قطر. فبعد فشل كل الصفقات السابقة للإفراج عنها – من بينها تبادل محتمل مع حزب الله أو إطلاق سجين إيراني – جاء القرار أخيراً في لحظة ضغط إقليمي قصوى.
ما بين الصفقات والرسائل السياسية
خلال فترة احتجازها التي تجاوزت العامين، مورست ضغوط كبيرة على السلطات العراقية، وسط اتهامات مباشرة لفصائل مسلحة بالمسؤولية. غير أن غياب أي صفقة واضحة هذه المرة يعزز فرضية أن الميليشيات أرادت تقديم نفسها كطرف “عقلاني” قادر على إرسال إشارات تهدئة، ليس من منطلق إنساني بل من باب حسابات البقاء وتجنب الاستهداف المباشر.
مستقبل غير مضمون
مع ذلك، يشير خبراء إلى أن هذه الخطوة لا تعني بالضرورة تراجع الخطر عن العراق، فـإسرائيل – كما ثبُت في غزة – لم تتردد في استهداف أماكن يتواجد فيها رهائن إسرائيليون أنفسهم. ما يوحي بأن إطلاق سراح تسوركوف قد يمنح الميليشيات “مهلة” مؤقتة فقط، لكنه لن يبدد القلق العراقي من احتمال أن يكون الهدف التالي في سلسلة التغيرات العاصفة التي تضرب الشرق الأوسط.

