كشفت الإحصاءات الأخيرة الصادرة عن المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، عن تفاوت واضح في نسب تحديث بيانات الناخبين بين المحافظات العراقية، في وقت تستعد فيه البلاد لخوض الانتخابات التشريعية المقررة في تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل.
وتصدرت العاصمة العراقية بغداد القائمة بأكثر من 360 ألف عملية تحديث، تلتها نينوى بـ237 ألفاً، ثم أربيل بـ116 ألفاً، والأنبار وصلاح الدين بأكثر من 85 ألفاً لكل منهما، فيما لم تتجاوز أغلب محافظات الوسط والجنوب حاجز الثلاثين ألفاً، باستثناء البصرة التي سجلت 90 ألف عملية تحديث.
هذا التفاوت في الأرقام دفع مراقبين إلى اعتبار أن هناك رغبة واسعة للمشاركة لدى جمهور المحافظات الغربية، تقابلها حالة عزوف متنامية في المحافظات الجنوبية، حيث تسود مشاعر الإحباط من تكرار التجربة الانتخابية دون تغيير فعلي في الواقع المعيشي والخدمي.
الجنوب ينسحب بهدوء
في المحافظات ذات الغالبية الشيعية، يُسجل تراجع لافت في حماس الناخبين لتحديث بياناتهم أو المشاركة في العملية الانتخابية، وهذا التراجع لا يرتبط فقط بضعف الحملات الدعائية أو التثقيفية، بل يرتبط – وفق معنيين – بجذور أعمق تتصل بالواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي.
ومنذ احتجاجات تشرين 2019 وما أعقبها من قمع ووعود لم تتحقق، اتسعت الفجوة بين الشارع وقوى السلطة، لاسيما في المدن التي شهدت مستويات عالية من البطالة وتدهور الخدمات وغياب المشاريع التنموية، كما أن المواطن هناك بات يرى أن صوته لا يؤدي إلى نتائج ملموسة، وأن اللعبة السياسية تدور في دوائر مغلقة لا يدخلها التغيير الحقيقي.
ويُسهم غياب التيار الصدري، الذي كان يحشد الملايين في الدورات السابقة، في مضاعفة نسبة العزوف، إذ لم يعلن أي طرف حتى الآن عن قدرة على تعبئة هذا الفراغ أو وراثة جمهوره، ويُرجّح أن تبقى هذه الأصوات خارج المعادلة، ما لم تحدث مفاجآت كبيرة في الأشهر القليلة المقبلة.
تعبئة منظمة غربي العراق
على الجانب الآخر، تشهد المحافظات الغربية حركة نشطة لتحديث بيانات الناخبين، يقودها عدد من القوى السياسية المحلية التي تسعى إلى استثمار اللحظة وتحقيق أكبر تمثيل ممكن في البرلمان المقبل.
ووفق أرقام المفوضية، فإن محافظة الأنبار سجلت أكثر من 36 ألف عملية تحديث خلال فترة قصيرة، كما تشير بيانات نينوى وصلاح الدين إلى وتيرة تصاعدية مماثلة، ما يكشف وجود تعبئة واضحة تعتمد على هيكل سياسي متماسك، واستثمار في شبكات العلاقات والعشائر والمكاتب الانتخابية.
وتعتبر بعض الجهات أن هذا النشاط يأتي كردّ فعل على ما تعرضت له المحافظات السنية، من ضغوط خلال الدورة الحالية، سواء عبر قرارات الإقصاء أو الملفات القضائية أو التهميش داخل العملية السياسية، ويدفع ذلك إلى تعزيز الرغبة في العودة بقوة إلى الساحة البرلمانية.
من جهة أخرى، لا يمكن إغفال أثر المتغيرات الإقليمية، خصوصاً ما يجري في سوريا، وما تفرضه بعض التحولات من شعور لدى بعض القوى بوجود فرصة جديدة لإعادة التوازن داخل الخريطة السياسية العراقية.
وفي خضم هذا السباق غير المتكافئ، يُطرح تساؤل مهم حول قدرة القوى الشيعية على تعويض هذا التراجع في التعبئة، أو تقديم بدائل قادرة على استعادة ثقة الناخب، خاصة مع تنامي الشعور الشعبي بأن الانتخابات لا تُفضي إلى تحسين الظروف المعيشية أو محاسبة الفاسدين.
تراكمات سياسية واجتماعية
في هذا السياق، يقول الخبير في الشأن الانتخابي أحمد العبيدي إن «ما نشهده اليوم لا يُمكن اختزاله في معادلة طائفية بسيطة، بل هو نتيجة تراكمات سياسية واجتماعية، فالمحافظات الجنوبية تعاني من إنهاك طويل، والناخب فيها يشعر بأنه شارك مراراً دون أن يحصل على نتيجة، بينما تتحرك قوى في غرب العراق ضمن أهداف سياسية واضحة، وتستثمر أي فراغ لصالحها».
ويضيف العبيدي لوكالة (باسنيوز) أن «غياب التيار الصدري خلق فراغاً سياسياً كبيراً لم تتمكن أي جهة من ملئه حتى الآن، وهذا سيؤثر على نسب التصويت في الدوائر التي كانت تُحسم بسهولة لصالح الصدريين، بينما تشهد دوائر أخرى منافسة أشد، وقد نشهد صعود وجوه جديدة إذا ما استمرت التعبئة بهذا الشكل».
ويتابع أن «الحديث عن تراجع أصوات مكون على حساب آخر ليس دقيقاً، فالمقاطعة لا تقتصر على جهة دون أخرى، ولكن الفارق أن بعض القوى تعمل بجدية على تعبئة جمهورها، فيما تبدو قوى أخرى عاجزة عن تجاوز أزمتها الداخلية».
ومع اقتراب موعد الانتخابات، تزداد الحاجة – وفق معنيين – إلى مراجعة جادة من قبل الكتل السياسية، خاصة تلك التي فقدت جزءاً كبيراً من جمهورها، لفهم الأسباب الحقيقية لهذا العزوف، ومحاولة استعادة الثقة المفقودة، بعيداً عن الخطابات الطائفية أو التحشيد العاطفي.

