حالة من الغموض والريبة يعيشها العراق في ظل توالي الأنباء عن قرب انهيار النظام المصرفي، نتيجة تراكمات من الفساد المالي، وضعف البنية التحتية، وانكشاف التلاعبات التي اخترقت قلب المنظومة البنكية خلال السنوات الماضية، في ظل اعتماد مفرط على أدوات غير مؤمنة، وافتقاد للثقة الشعبية.
وتفاقمت الأزمة بعد تسريبات رسمية عن احتمالية فرض قيود جديدة من واشنطن على مصارف عراقية، إضافة إلى حظر تعاملها بالدولار، ما دفع السوق العراقية نحو مزيد من القلق، لا سيما في ظل الاضطراب المستمر في سعر الصرف، وفشل الجهات المعنية في السيطرة على السوق السوداء.
وكان آخر التصريحات ما أدلى به الأمين العام لحزب الصقور، يزن مشعان الجبوري، الذي توقع “انهياراً قريباً للنظام المصرفي في البلاد”، محمّلاً “الفساد المالي والإداري، وتحكّم مجموعات وأحزاب نافذة في مفاصل المنظومة المالية”، مسؤولية ما وصفه بـ”الانهيار المحتوم”.
أدوات للتهريب والفساد
وتُظهر تقارير غربية وعراقية متطابقة، أن شبكة من المصارف الخاصة المرتبطة بأحزاب نافذة، استخدمت بطاقات الدفع الإلكتروني كأداة رئيسية لتهريب العملة الصعبة إلى الخارج، وتحديداً إلى دول إقليمية، في وقت كانت تُفرض فيه رقابة شديدة على التحويلات البنكية الرسمية.
وبحسب تحقيق أجرته “وول ستريت جورنال”، فإن الفصائل المسلحة المقربة من إيران كانت من أبرز المستفيدين من هذا النظام، حيث حصلت على آلاف البطاقات المحملة بالدولار، وتم سحبها نقداً من أجهزة صراف في دول الجوار، ثم أعيدت الأموال إلى الداخل العراقي، لتُباع بفارق يصل أحياناً إلى 130 ديناراً لكل دولار، مما ولّد أرباحاً تُقدّر بمئات الملايين.
وكانت هذه العمليات وراء ارتفاع حجم معاملات البطاقات من أقل من 50 مليون دولار شهرياً إلى أكثر من 1.5 مليار دولار في ربيع 2023، قبل أن تتدخل وزارة الخزانة الأميركية وتفرض قيوداً صارمة.
حظر وارتباك
وفي يونيو/ حزيران الجاري، دخلت قرارات البنك المركزي العراقي حيّز التنفيذ، حيث تم تعطيل آلاف البطاقات الصادرة من مصارف أهلية لا تملك حسابات لدى بنوك مراسلة أميركية، وهو ما تسبب بشلل جزئي لدى فئات واسعة من المواطنين، بينهم طلاب ومرضى ومسافرون، اعتمدوا على هذه البطاقات في تغطية احتياجاتهم في الخارج.
وبينما قالت مصادر في البنك المركزي إن هناك تنسيقاً مع مصرف التجارة العراقي (TBI) لتوفير آلية مؤقتة لتعويض هذه المصارف، فإن الحل النهائي ما يزال بعيداً، في ظل غياب بنية قانونية وتقنية تسمح بإصلاح شامل وعاجل.
انهيار الثقة
ويشير مراقبون إلى أن الأزمة الحالية هي امتداد لأزمة أعمق تتعلق بانعدام الثقة بين المواطنين والنظام المصرفي، حيث يُقدّر أن أكثر من 77% من النقد العراقي لا يزال خارج الدورة المصرفية، وأن الغالبية تفضّل الاحتفاظ بأموالها في المنازل، بدلاً من التعامل مع المصارف.
وقدّرت الجهات الرقابية أن التلاعب بسعر صرف الدولار حقق أرباحاً غير شرعية تُقدّر بأكثر من 450 مليون دولار خلال عام 2023، وذلك عبر بيع الدولار بفارق يتراوح بين 120 إلى 130 ديناراً لكل دولار بين السعر الرسمي والسوق السوداء.
كما قدّرت لجنة النزاهة النيابية في وقت سابق أن العراق يخسر سنويًا ما لا يقل عن 5 إلى 7 مليارات دولار نتيجة تهريب الدولار وغسيل الأموال من خلال النظام المصرفي.
ويؤكد الخبير الاقتصادي سرمد الشمري، أن “القطاع المصرفي العراقي يعيش اليوم واحدة من أسوأ مراحله منذ 2003، بسبب تغلغل الأحزاب والميليشيات في ملفاته، وغياب الرقابة الحكومية الفاعلة”، مضيفاً أن “المصارف الخاصة تحولت من أدوات للتنمية إلى منصات لغسيل الأموال وتمويل أنشطة خارجة عن القانون، في ظل ضعف كامل لهيئة النزاهة، والبنك المركزي على حد سواء”.
وأضاف الشمري لوكالة (باسنيوز) أن “التهريب عبر البطاقات ليس سوى رأس جبل الجليد، فهناك تحايل على تعليمات بيع الدولار، وشبكات مصرفية مرتبطة بعقود وهمية لاستيراد بضائع لا تدخل البلاد أصلاً، والنتيجة أن المواطن يدفع الثمن، من خلال انخفاض قيمة الدينار، وارتفاع الأسعار، وغياب التمويل للمشاريع الحقيقية”.
دولة في مواجهة السوق السوداء
وفي محاولة لتدارك الانفلات، أطلق البنك المركزي العراقي سلسلة من التعليمات الجديدة، شملت منع بيع الدولار لحاملي الجوازات الأجنبية إلا بشروط، وإلزام المصارف الحكومية بفتح نوافذ منظمة، إلى جانب توجيه مكاتب الصرافة بتحديد سقوف البيع، وتقديم تقارير إلكترونية دورية.
لكن هذه الإجراءات، وفق خبراء، لن تكون كافية ما لم تترافق مع إصلاح جذري في هيكل النظام المصرفي، وتفكيك شبكة النفوذ الحزبي داخل البنوك، وإطلاق حملة حقيقية لإعادة الثقة عبر الشفافية، وخفض البيروقراطية، وتوسيع انتشار فروع المصارف خارج المدن الكبرى.
ويحذر مختصون من أن استمرار هذه الأزمة سيؤدي إلى انكماش إضافي في النشاط التجاري، خصوصاً في قطاع التكنولوجيا والتعليم والسفر، بينما تنشط شبكات “الوسطاء” في السوق السوداء، مستغلة الحاجة الماسة للخدمات الدولية.
وبينما تتجه الأنظار إلى ما قد تفعله واشنطن خلال الأسابيع المقبلة، يبقى النظام المصرفي العراقي محاصراً بين ضغوط الخارج، وفوضى الداخل، وانعدام الثقة من الشارع.

