تواجه الفصائل المسلحة العراقية مأزقاً مالياً متصاعداً بعد قرار واشنطن وقف التحويلات المالية إلى المصرف الرئيسي الذي تمرّ عبره رواتب هيئة الحشد الشعبي، ما دفعها إلى حالة من الإرباك في توقيت حساس، قبيل الانتخابات البرلمانية المقبلة التي تعوّل عليها تلك الفصائل لإعادة تموضعها داخل النظام السياسي.
ورغم محاولات الحكومة تجاوز القرار الأمريكي عبر اللجوء إلى مصرف بديل، فإن الأزمة ألقت بظلال ثقيلة على قدرة الفصائل على تمويل أنشطتها وحملاتها الانتخابية، وسط تساؤلات جدية حول مدى تأثر حظوظها في السباق الانتخابي.
وقالت مصادر سياسية مطلعة لوكالة (باسنيوز)، إن «عدداً من الفصائل البارزة المرتبطة بالحشد بدأت تبحث عن ممولين بدلاء، بينهم رجال أعمال وتجار مرتبطون بعقود سابقة أو حاليّة مع وزارات ومؤسسات خدمية»، مضيفة أن «هناك تحركات لإعادة تنشيط شبكات اقتصادية تابعة للفصائل بهدف توفير الدعم المالي للمرشحين والواجهات الانتخابية».
وأوضحت المصادر أن «الضغط الأمريكي باغت هذه الفصائل، وجعلها في موقع الضعف أمام قواعدها، التي كانت تعتمد على الرواتب كمصدر معيشي أول، فضلاً عن ارتباط قسم من هذه القواعد بالآلة الدعائية التي تحتاج إلى تمويل مستمر».
أزمة مالية في موسم انتخابي
وتشير المعلومات إلى أن الكثير من الفصائل كانت تعتمد على رواتب الحشد ليس فقط لسد احتياجات عناصرها، بل كذلك لتمويل بعض نشاطاتها السياسية والدعائية، سواء عبر توزيع مبالغ على قواعدها الشعبية أو عبر تسخير البنية الإدارية للحشد لتوفير دعم لوجستي.
في هذا السياق، قال الباحث في الشأن السياسي عبدالله الركابي، إن «القرار الأمريكي بإيقاف التحويلات أوقع الفصائل في أزمة غير مسبوقة، إذ تجد نفسها مضطرة لخوض معركة انتخابية باهظة الكلفة دون موارد كافية، ما قد يؤدي إلى تراجع نفوذها الانتخابي وخسارة بعض المقاعد».
وأضاف الركابي لـ (باسنيوز)، أن «الانتخابات المقبلة ستكون بمثابة اختبار حقيقي للفصائل، ليس فقط من ناحية الشعبية، بل من حيث القدرة على التنظيم والتمويل والظهور بوصفها قوة سياسية قادرة على إدارة الدولة، وليس فقط جهازاً موازياً للأمن».
رهانات على التحالفات والممولين الجدد
وسط هذه الأزمة، تتجه بعض الفصائل إلى خيارات بديلة للبقاء ضمن اللعبة الانتخابية، من بينها الاندماج في قوائم سياسية قريبة من الحكومة، أو عقد تحالفات مع رجال أعمال يمتلكون قنوات مالية غير خاضعة للرقابة الأمريكية.
وتقول مصادر سياسية إن هناك مفاوضات تجري حالياً بين فصائل وجهات مالية داخلية لتأمين الدعم عبر مكاتب اقتصادية وشركات تموينية وشبكات تحويل محلية، مقابل ضمانات سياسية بعد الانتخابات.
تهديد لحظوظ الفوز
وتؤكد التقديرات أن الفصائل التي كانت تعتمد على قوة التعبئة من خلال الرواتب والدعم اللوجستي، قد تواجه صعوبة في الاحتفاظ بجمهورها، لا سيما في ظل تزايد التذمر داخل قواعد الحشد من تأخر الرواتب وتضاؤل الامتيازات.
وفي نيسان الماضي، نشرت صحيفة ‹وول ستريت جورنال› تحقيقاً كشفت فيه عن وجود عناصر «فضائيين» ضمن هيئة الحشد، ما دفع واشنطن إلى التحرك لتقييد التحويلات البنكية، لا سيما بعدما رُصد استخدام بطاقات الدفع الخاصة بالحشد في عمليات تحويل أموال إلى الخارج.
وتشير تقارير إلى أن عشرات الآلاف من الأسماء المدرجة ضمن قوائم الرواتب لا تمتلك أرقاماً حقيقية في قاعدة بيانات الحكومة، أو لم يؤدّوا أي مهام ميدانية، ما يفتح الباب أمام تساؤلات عن حجم الهدر المالي داخل المنظومة.
ومع تزايد الصعوبات، تشير مصادر سياسية إلى أن بعض الفصائل تدرس إعادة تشكيل خطابها السياسي، والظهور كجهات وطنية معتدلة عوضاً عن الصورة العقائدية الصِدامية، بهدف استقطاب جمهور أوسع وتفادي الاستهداف الدولي.
لكن هذه الاستراتيجية تواجه تحدياً مزدوجاً؛ الأول احتمال تفكك القواعد القديمة غير الراضية عن هذا التحول؛ وثانياً، محدودية الأموال اللازمة لتنفيذ هذا التغيير في ظل الأزمة المالية القائمة.
واعتادت هذه الفصائل على خوض السباق البرلماني من خلال واجهات سياسية أو مرشحين مباشرين، وغالباً ما تمكنت من الحصول على مقاعد تمثيل مؤثرة، مكنتها من الحفاظ على نفوذها داخل مؤسسات الدولة، لكن أزمة الرواتب الحالية تهدد بإرباك هذا المسار التقليدي وقد تعيق قدرتها على الاستمرار في حجز مقاعدها بقوة التأثير نفسها.
وبسبب القيود المصرفية المشددة والرقابة الدولية على التحويلات المرتبطة بالحشد الشعبي، ترفض أغلب الشركات المعتمدة في العراق الدخول في ملف دفع رواتب الحشد، خشية من التعرض لعقوبات أو شبهات قانونية، ما دفع الهيئة إلى التوجه نحو صيرفات صغيرة، تعمل خارج المنظومة المصرفية الرسمية، لتأمين الصرف النقدي بعيدًا عن أعين الرقابة والتحقيقات المالية، ودفع تلك الرواتب سراً وبطريق متلفة.

