تقلّل جهات متابعة لملف المياه الشائك في العراق من إمكانية التعويل على تنامي العلاقة مع تركيا لحلحلة الملف، مستبعدة أن يساهم التطور الملحوظ في تلك العلاقات في تليين موقف أنقرة بشأن تقاسم مياه نهري دجلة والفرات، في وقت تدفع فيه حكومة الرئيس رجب تركي أردوغان بتواصلها ومشاوراتها مع حكومة رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني صوب الملفين الأمني والاقتصادي المهمّين لتركيا وبعيدا عن ملف المياه المصيري للعراق الذي لم تتّم معالجته إلى حدّ الآن سوى بشكل سطحي بعيدا عن المعالجة القانونية الأصلية وبشكل يبقي زمام القرار بشأنه بيد الجانب التركي الذي يراوح بين إسداء النصح للطرف العراقي بترشيد استخدام المياه، و”التكرّم” بإطلاقات مائية إضافية ومحدودة الأثر في مياه النهرين.
وعمليا لم تحصل بغداد إلى الآن سوى على قرار تركي بإطلاق كميات إضافية من المياه في مجريي دجلة والفرات جاءت بحسب الخبراء أقرب إلى “مجالمة” رمزية لا يتعدّى تأثيرها على الواقع المائي المتدهور في العراق مدّة الستين يوما، بينما حصلت تركيا على مكاسب حقيقية في مجال الأمن باقترابها من حسم الصراع المسلح مع حزب العمّال الكردستاني مستفيدة في ذلك من مساعدة السلطات العراقية لها، بالتوازي مع التقدّم في تحقيق مكسب اقتصادي هام متمثّل في مشروع طريق التنمية المشترك الذي من المقرر أن يربط بين مياه الخليج والأراضي التركية عبر الأراضي العراقية.
وباتت أنقرة أقرب من أي وقت مضى إلى إغلاق ملف مقاتلي الحزب المتواجدين على الأراضي العراقية بتوجّه هؤلاء نحو إلقاء السلاح.
وعلى خلفية هذا التطور الكبير في الملف الشائك المفتوح منذ أربعة عقود كثّفت تركيا من اتصالاتها السياسية والأمنية مع الجانب العراقي، وقامت في هذا السياق بإيفاد رئيس جهاز مخابراتها إبراهيم قالن إلى بغداد حيث بحث مع السوداني “الملفات الأمنية المشتركة والتنسيق المعلوماتي المتبادل بين البلدين بما يعزز الاستقرار في المناطق الحدودية المشتركة وعموم المنطقة”، وذلك بعد أن مرّ المسؤول نفسه بأربيل مركز إقليم كردستان وبحث مع قيادة الإقليم التطورات في ملف حزب العمال.
ورغم أهمية ما تحصل عليه تركيا من العراق إلاّ أنّها لا تظهر استعدادا لمنحه شيئا ملموسا مقابله، وذلك بسبب ضعف موقف سلطاته وعدم كفاءتها في إدارة المفاوضات بشأن ملف المياه والتي يفترض أن تدار بشكل رئيسي على أرضية قانونية وعلى أساس تحصيل حقوق وليس السعي وراء تنازلات وهبات من الجانب التركي مثلما هي الحال بالنسبة للزيادة الأخيرة في إطلاقات مياه نهري دجلة والفرات المتجهة صوب الأراضي العراقية.
وقلل مرصد عراقي عامل في مجال البيئة من فاعلية تلك الإطلاقات مؤكّدا مواصلة العراق التعرض لخسائر جسيمة جرّاء أزمة المياه المستفحلة.
ونبّه مرصد العراق الأخضر، الثلاثاء في بيان، إلى أنّ قرار تركيا بشأن إطلاقات المياه في نهري دجلة والفرات يشمل فقط شهري يوليو الجاري وأغسطس القادم، واصفا تلك الإطلاقات بأنّها ليست ذات جدوى ومحذّرا من أنّ “العراق قد يعيش مأساة مائية أخرى بعد هذين الشهرين”.
وأضاف المرصد في بيانه أن “تلك الإطلاقات لم تنقذ إلى غاية الآن المحافظات الجنوبية من العطش ولم تدفع اللسان الملحي في محافظة البصرة لتجعله صالحا للاستخدام البشري، مما يجعل الوضع المائي في العراق على حاله ولم يتغير إلى غاية الآن”.
وبيّن أن “الجفاف الذي عانى منه العراق خلال السنوات الماضية أفقده أكثر من خمس مئة رأس جاموس في المحافظات الجنوبية والوسطى”، وأن “الجميع يعلم أن الواحدة من تلك الجواميس هي عبارة عن معمل ألبان متكامل، مما حدا بأصحابها في الوقت الحالي إلى بيعها لأغراض الذبح والاستفادة من لحمها، مما يهدد الثروة الحيوانية في البلاد ويعرضها لمخاطر كبيرة”.
وأكد المرصد على “ضرورة أن تأخذ الجهات المسؤولة والحكومية دورها من أجل زيادة الإطلاقات وإمكانية إنقاذ العراق من الجفاف والعطش خلال الأشهر المقبلة”.
ويؤكّد بيان المرصد ما ذهب إليه الخبراء والمختصون في مجال المياه بشأن التقليل من تأثير الخطوة التركية على الوضع المائي في العراق، حيث سبق لوكالة شفق نيوز الإخبارية أن أوردت رأي الخبير في إستراتيجيات وسياسات الموارد المائية رمضان حمزة الذي أكّد فيه عدم استفادة العراق من زيادة الإطلاقات المائية من قبل تركيا.
وقال حمزة إن “العراق لن يتمكن من الاستفادة الفعلية من كميات المياه التي أطلقتها تركيا مؤخرا، كما أن قرار الحكومة العراقية بإلغاء الموسم الزراعي الصيفي لهذا العام قلل من فرص الاستفادة من هذه الإطلاقات المائية”، مشيرا إلى أنّ “الآثار الإيجابية المتوقعة جراء هذه الزيادة ستقتصر في الغالب على تحسين نوعية المياه في المجرى العام لنهر دجلة بينما لن يكون لها تأثير ملموس على القطاع الزراعي نظرا لتوقفه باستثناء عدد قليل من الفلاحين الذين مازالوا يمارسون الزراعة بشكل محدود في بعض المناطق”.
وباتت أزمة المياه في العراق ملحوظة للعيان من خلال التناقص السريع في مياه البحيرات والسدود على غرار سدّ الموصل الذي حذر الخبير في مجال المياه عادل المختار من احتمالية جفافه بشكل كامل خلال شهر واحد فقط.
ونقلت وكالة بغداد اليوم الإخبارية عن المختار قوله إن “الإطلاقات القادمة من تركيا عبر نهري دجلة والفرات لا تزال ضمن حدود الزيادة الطفيفة”، مشيرا إلى أن “تصريحات بعض السياسيين العراقيين حول وصول الإطلاقات إلى 420 مترا مكعبا في الثانية لا تتطابق مع الواقع”.
ونبّه إلى أنّ “وزير الموارد المائية نفسه، وهو الجهة المختصة، لم يحدد حتى الآن مقدار الزيادة بشكل رسمي، بل أشار قبل أيام إلى أن الإطلاقات ارتفعت من ستين إلى مئة وثلاثين مترا مكعبا في الثانية، وهي زيادة غير كافية لرفد الأنهر العراقية بحاجتها الفعلية”.وعن سدّ الموصل قال إنّه “يضم حاليا ثلاثة مليارات متر مكعب من المياه، منها ملياران يُعرفان بالخزين الميت، والمتبقي فعليا هو مليار متر مكعب فقط”، محذرا من أن “هذا الوضع غير مسبوق، وقد يؤدي إلى جفاف السد لأول مرة في تاريخه”.
ولم يُخل الخبير قيادة البلاد من المسؤولية عن الوضع المائي المتدهور في البلاد معتبرا أنّ “ما يحصل هو نتيجة سوء إدارة ملف المياه على مدار السنوات الماضية”، داعيا رئيس مجلس الوزراء إلى “تشكيل خلية أزمة عاجلة تضم خبراء ومختصين لرسم خارطة طريق واقعية بعيدة عن الحلول التقليدية التي أثبتت فشلها”.
العرب

