سعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لطمأنه بلاده بشأن عملية السلام الجارية مع حزب العمال الكوردستاني، لكن هذا التطور لا يزال موضع تساؤلات ولاسيما في ظل القمع الذي يستهدف المعارضة والأصوات المخالفة، واستمرار توقيف رؤساء بلديات يتبعون الكورد وتهمتهم التعامل مع حزب العمال المحظور.
لكن معارضين يذهبون إلى اعتبار أن أردوغان، الذي انحسرت شعبيته وشعبية حزبه، يريد أن يكسب شعبية وسط الكورد ليدعموا فكرة إعادة ترشيحه للانتخابات وفي نفس الوقت يحدث شرخا في تحالف الكورد مع المعارضة، وهو التحالف الذي أزعجه في الانتخابات الماضية. وقال أردوغان السبت أمام أعضاء حزبه العدالة والتنمية (الإسلامي المحافظ) “تركيا انتصرت و86 مليون تركي انتصروا”.
وأكد غداة مراسم رمزية في شمال العراق شهدت حرق نحو ثلاثين مقاتلا من حزب العمال الكوردستاني أسلحتهم مدشنين عملية إلقاء السلاح “نعرف تماما ما نقوم به، ولا داعي للقلق أو الخوف أو التساؤل”. ويقاتل حزب العمال الكوردستاني أنقرة منذ العام 1984.
وتُثير عملية السلام أملا وانعدام ثقة في آن واحد، وبدأها في أكتوبر الماضي حزب الحركة القومية الحليف للحكومة مع حزب المساواة وديمقراطية الشعوب المؤيد للكورد وهو ثالث أكبر فصيل سياسي في تركيا.
وقال حزب المساواة وديمقراطية الشعوب الذي تولى وساطة بين أنقرة ومؤسس حزب العمال الكوردستاني عبدالله أوجلان، البالغ 76 عاما، والمسجون في جزيرة قبالة سواحل إسطنبول إن “قرار حزب العمال الكوردستاني بالتخلي عن السلاح يضمن أن كل مشاكل تركيا ستحل من خلال الوسائل الديمقراطية، وليس القضية الكوردية فحسب”.
من جهة أخرى، وفي انعكاسٍ لحالة العديد من الأتراك الذين لم ينسوا أن الصراع خلف 50 ألف قتيل، ندد زعيم حزب “النصر” القومي أوميت أوزداغ، باتفاق مع “قاتل أطفال”، كما يسمّي أوجلان.
وكتب على منصة إكس بعدما أمضى ستة أشهر في السجن بتهمة “إهانة الرئيس” قائلا “نواجه عملية خيانة جديدة: قاتل أطفال يُدعى إلى البرلمان بينما يستهدف قانونٌ معادٍ المعارضة”.
وقال أردوغان من جهته السبت “لا أحد يملك الحق في التشكيك في وطنيتي أو قوميّتي أو في حب حزب العدالة والتنمية لتركيا”. وقال بيرك إيسن أستاذ العلوم السياسية في جامعة سابانجي في إسطنبول “منذ بداية العملية، أصبحت تركيا دولة أكثر استبدادا بكثير”.
وأضاف لوكالة فرانس برس أن “نزع سلاح منظمة إرهابية من شأنه أن يؤدي، أو قد يؤدي، إلى إرساء الديمقراطية والسلام الاجتماعي، لكن.. على الأرجح لن يكون الحال كذلك”.
واشار إيسن إلى اعتقالات عديدة طالت رؤساء بلديات ومسؤولين في حزب الشعب الجمهوري، أبرز قوة معارضة، بينهم رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو المنافس السياسي الرئيسي أردوغان في مارس، والذي ما زال موقوفا.
ومنذ ذلك الحين، أوقف وسجن المئات من العاملين في بلديات يسيطر عليها حزب الشعب الجمهوري لاسيما مؤخرا في أنطاليا وأضنة وأديامان (جنوب)، بالإضافة إلى المجلس البلدي السابق في إزمير. وتتم كل هذه التوقيفات بتهمة “الفساد” التي ينفيها المتهمون.
في الوقت نفسه، طالت حملة القمع العديد من وسائل الإعلام المعارضة، منها قناة “سوزجو” التي أُمر بإغلاقها بعد ست عشرة غرامة وإيقافها عن البث منذ يناير بمعدل “مرة كل أسبوعين،” بحسب ما أشار مديرها أوزغور كاكماكجي مساء الثلاثاء تزامنا مع إغلاقها.
وندد كاكماكجي “باستبداد الحكومة المتزايد الذي يُقلّص ويضيق المساحات الإعلامية أكثر فأكثر”. وقالت المذيعة سينم تولواي إيلغاز “لا يُسمح بأي صوت معارض. يجب سماع صوت واحد فقط، الصوت الذي ترغب فيه الحكومة”.
ومُنحت قناة “هالك تي في” التلفزيونية التابعة لحزب الشعب الجمهوري، مهلة سبعة أيام، وكانت مُهددة بالمصير نفسه. وقال ممثل منظمة مراسلون بلا حدود في تركيا إيرول أوندر أوغلو “لا شك في نية تصفية قنوات المعارضة كجزء من الأجندة الاستبدادية”.
وأورد إيسن أن حزب الشعب الجمهوري الذي أسسه مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس الجمهورية التركية، مستهدف من الحكومة لأنه فاز في غالبية المدن في مارس 2024، ويتصدر كل استطلاعات الرأي، متهما أردوغان بـ”تفتيت المعارضة”.
ورأى أن حزب المساواة وديمقراطية الشعوب التركي المؤيد للكورد شريك للحكومة في العملية التي بدأت مع حزب العمال الكوردستاني، وخصوصا أنه امتنع عن إدانة الاعتقالات وانتهاكات حقوق المعارضة.
كذلك، لم ينضم الحزب الذي حُكم على رئيسيه السابقين – صلاح الدين دميرتاش وفيغين يوكسكداغ بالسجن لمدة 42 و30 عاما، إلى الاحتجاجات التي أثارها اعتقال إمام أوغلو. وقال بيرك إيسن “منذ البداية، رأيت أن هذه المفاوضات مع أوجلان بمثابة مبادرة لتعزيز الحكومة.. وكسب دعم الناخبين الكورد” لأردوغان.
ويشير هذا إلى أن أردوغان يعزز التقارب بين الدولة والحزب المؤيد للكورد، ما قد يجعل حزب المساواة والديمقراطية معارضة مدعومة من الدولة لخدمة مصالحه الإستراتيجية. وتهدف هذه المناورة إلى خلق انقسامات بين حزب الشعب الجمهوري وحزب المساواة والديمقراطية، ما يزيد من إضعاف المعارضة الأوسع ضده.

