أشّرت مجموعة الأحداث الأمنية التي شهدها العراق مؤخرا ووقفت وراءها فصائل مسلحة، على تدشين الميليشيات الشيعية ذات الارتباطات الوثيقة بالحرس الثوري الإيراني لمرحلة جديدة من الضغوط الأمنية والسياسية على الداخل العراقي، بعد أن كانت الفصائل ذاتها قد غابت عن الحرب الإسرائيلية – الإيرانية الأخيرة وأحجمت عن دعم حليفتها إيران خلالها.
وباشرت الميليشيات حملة قصف بالطائرات المسيرة لأهداف ومنشآت نفطية في إقليم كوردستان العراق قبل أن تدخل الأحد في صدام مسلّح ضدّ القوات النظامية على خلفية صراع على منصب إداري في إحدى الدوائر الحكومية.
وكشفت تلك الأحداث أنّ الفصائل المسلحة ما تزال تحتفظ بقوّتها وتماسكها ومستعدّة لاستخدام سلاحها في تشكيل الواقع العراقي وتوجيهه وفقا لتوجّهات إيران ومصالحها.
ونجحت جهود قادها رئيس الوزراء العراقي محمّد شياع السوداني في تثبيط عزيمة الميليشيات على الانضمام إلى الجمهورية الإسلامية في حرب الاثني عشر يوما ضدّ الدولة العبرية بما جنّب العراق التورّط المباشر في تلك الحرب وتحمّل تبعاتها الخطرة، دون أن يعني ذلك عدم وجود رغبة لدى طهران بحدّ ذاتها في تجنيب الميليشيات العراقية الموالية لها الدخول في صراع غير متكافئ مع إسرائيل والولايات المتحدة يجعلها عرضة لضربات شديدة من شأنها أن تلحقها بمصير حزب الله اللبناني.
ويظل من الأهمية بمكان لدى الإيرانيين الحفاظ على أذرع مسلّحة لهم في الداخل العراقي لتكون حارسة لنفوذهم السياسي والاقتصادي والأمني الحيوي هناك في مرحلة اشتد فيها صراع النفوذ داخل البلد بدخول قوى أخرى على خطّه في مقدمها تركيا الجارة الأخرى القوية للبلد.
وقال السوداني في مقابلة مع وكالة أسوشيتد برس إن حكومته نجحت في منع انزلاق العراق إلى ساحة مواجهة مفتوحة رغم تصاعد الصراع بين إيران وإسرائيل، موضحا أن الجهات الأمنية أحبطت تسعة وعشرين محاولة نفذتها جماعات مسلحة لاستهداف إسرائيل أو قواعد تضم قوات أميركية داخل الأراضي العراقية.
وتعوّل إيران خلال المرحلة الصعبة التي تمر بها حاليا، على حلفائها العراقيين من أحزاب وفصائل شيعية مسلّحة للحفاظ على مصالحها الحيوية في العراق وأيضا لمقارعة خصومها ومنافسيها على النفوذ هناك.
وفي نطاق السعي لتحقيق هذا الهدف الأخير شرعت الميليشيات الشيعية في القيام بأعمال مزعزعة للاستقرار محاولة إفساد علاقة بغداد بشركائها المحليين والدوليين على حدّ سواء.
وركّزت لتحقيق ذلك على استهداف المنشآت النفطية في إقليم كوردستان بالطائرات المسيرة مثيرة في نفس الوقت غضب قيادات الإقليم وامتعاض الولايات المتحدة الحليفة لتلك القيادات.
وشهد محيط دائرة تابعة لوزارة الزراعة بمنطقة الدورة جنوبي العاصمة بغداد، الأحد الماضي، اشتباكات مسلحة بين عناصر من كتائب حزب الله العراق التابعة لميليشيات الحشد الشعبي وقوات الأمن أسفرت عن سقوط قتيلين واثني عشر جريحا.
وأثارت الحادثة حفيظة الولايات المتحدة التي عبّرت على لسان المتحدثة باسم خارجيتها تامي بروس عن قلقها البالغ “إزاء دور الجماعات المسلحة المتحالفة مع إيران والتي تعمل تحت مظلة قوات الحشد بما في ذلك الجماعات المصنّفة إرهابية من قبل واشنطن.”
ونقلت وكالة شفق نيوز الإخبارية عن بروس قولها: “تواصل هذه الجماعات الانخراط في أنشطة غير قانونية ومزعزعة للاستقرار وعنيفة تقوّض سيادة العراق وتهدد الاستقرار الإقليمي.”
وجاءت تصريحات المتحدثة بعد تعليق مماثل من قبل السفارة الأميركية في بغداد على أحداث الدورة وجهت فيها أصابع الاتهام للكتائب نفسها.
وقالت السفارة في تعليق عبر منصة إكس: “نقدم تعازينا لعائلات الضحايا الذين قتلوا على يد كتائب حزب الله وهي منظمة إرهابية مصنفة من قبل الولايات المتحدة وتندرج ضمن قوات الحشد الشعبي،” مضيفة: “نشعر بالحزن لفقدان الأرواح الذي شمل عنصرا من الشرطة الاتحادية ومدنيا بريئا،” وداعية الحكومة العراقية إلى “اتخاذ إجراءات لتقديم هؤلاء الجناة وقادتهم إلى العدالة دون تأخير، لأن المساءلة أمر أساسي للحفاظ على سيادة القانون ومنع تكرار أعمال العنف.”
وبنفس الامتعاض تفاعلت دوائر أميركية مع موجة استهداف المنشآت النفطية في إقليم كوردستان بالطائرات المسيرة من قبل الميليشيات التابعة لإيران.
وعرض عضو الكونغرس الأميركي جو ويلسن إثر لقاء جمعه بمسؤول مكتب العلاقات الخارجية في حكومة إقليم كوردستان لموضوع الهجمات التي تنفذها الميليشيات المسلحة ضد الإقليم.
وقال في منشور على منصة إكس إنّ “الميليشيات المسلحة تواصل إطلاق الطائرات المسيّرة على أصدقائنا في إقليم كوردستان،” مضيفا قوله: “للأسف تستخدم أموال دافعي الضرائب في بغداد لتمويل هذه الميليشيات الإرهابية التي لا تكتفي بمهاجمة إقليم كوردستان فحسب، بل تستهدف أيضا القوات الأميركية وتعمل على زعزعة استقرار سوريا والعراق ولبنان واليمن.”
ووجه ويلسن إنذارا بالتحرك عمليا ضدّ تلك الميليشيات قائلا في منشوره إنه “لم يعد بالإمكان التساهل مع هذا الوضع. وسأعمل على وقف التمويل الأميركي للحكومة العراقية ما دامت تمكّن هذه الجماعات.”
ولحوالي عشرين مرّة، استهدفت طائرات مسيرة خلال الشهر الحالي عددا من المنشآت والحقول النفطية في محافظتي أربيل والسليمانية. ولم يتردّد مسؤول كوردي عراقي في اتهام الحشد الشعبي قائلا لوكالة فرانس برس: “نحمّل الحكومة العراقية المسؤولية لأنها تموّل قوات الحشد الشعبي التي تهاجم البنية التحتية النفطية.”
وإثر هجومين جديدين شُنّا الإثنين على الإقليم بواسطة طائرتين مسيّرتين أعلن مستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي خلال زيارة له إلى أربيل عن تشكيل لجنة أمنية تتولى التحقيق في الهجمات ورفع توصيات بشأنها إلى رئيس الوزراء الذي يشغل أيضا منصب قائد عام للقوات المسلحة العراقية.
لكن الباحث في الشأن العسكري العميد الركن المتقاعد إحسان القيسون رأى عدم وجود أي “فائدة من تشكيل أية لجان للبحث في أمر هذه المسيّرات كونها معروفة.”
وأضاف متحدثا لشبكة رووداو الإخبارية أنّ “اللجان التحقيقية تعرف من يقف وراء هذه المسيّرات، لكنهم يشكلون هذه اللجان من أجل تسويف القضية، ويعرفون مصدرها وصناعتها ومن أي مناطق يتم اطلاقها ومسارها في الاراضي العراقية،” مضيفاً أنه “واضح جدا ومن بقايا الطائرات أن صناعتها إيرانية،” مؤكدا أن “فيلق القدس الايراني يزود الفصائل العراقية المسلحة بهذه الطائرات المسيرة، ولا تستطيع الفصائل استخدامها إلا بأوامر من طهران لقصف المنشآت النفطية في اقليم كوردستان انطلاقا من الاراضي العراقية.”

