عاد صراع القوى السياسية العراقية على المناصب الدبلوماسية ليطفو إلى السطح مجدّدا قبل بضعة أشهر على موعد الانتخابات البرلمانية، حيث تبدو تلك القوى حريصة على استكمال تقاسم هذا الجزء المغري من مغانم السلطة قبل انطلاق جولة جديدة من توزيع الحصص في ضوء ما ستفرزه صناديق الاقتراع خلال الاستحقاق الانتخابي المرتقب.
وأدى خوض أحزاب الإطار التنسيقي المشكّل للحكومة الحالية في نقاشات حادّة واحتجاجات على قوائم تم تسريبها مؤخرا بأسماء مرشحين لشغل مناصب سفراء إلى تأجيل البتّ في الموضوع وإرجاء عرض تلك الترشيحات على مجلس النواب للمصادقة عليها.
وقالت مصادر محلية إنّ القوى التي عطلت حسم الموضوع غلّفت عدم رضاها عن حصصها في قوائم المرشحين بالاحتجاج بعدم كفاءة وأهلية بعض من وردت أسماؤهم في تلك القوائم لقيادة البعثات الدبلوماسية العراقية في بلدان المنطقة والعالم.
واستدركت ذات المصادر موضّحة أن الأمر لم يتعدّ محاولة البحث عن ذريعة مقنعة نظرا إلى كون ممثلين لتلك القوى ذاتها قادوا على مدى سنوات سابقة العديد من السفارات العراقية وتميّز أداؤهم بقدر كبير من الضحالة والخمول حيث لم يتم اختيارهم على أساس الخبرة والتجربة ولا حتى الكفاءة العلمية والوظيفية بل اقتصر الأمر على المجاملة والمكافأة بسبب الولاء الحزبي والشخصي وحتّى القرابة العائلية من قيادات القوى والأحزاب المتنفذة في السلطة.
من جهتها نقلت وكالة شفق نيوز الإخبارية عن مصدر في الإطار التنسيقي الشيعي الحاكم قوله إن “بعض قوى الإطار انتقدت قوائم أسماء السفراء الجدد بذريعة أن أغلبهم غير مؤهلين، فضلا عن عدم تحقق العدالة بما يتناسب وحجم بعض القوى ووزنها السياسي”.
وأخّر التنافس الحزبي على مناصب الدبلوماسية العراقية سدّ شغور كبير قائم منذ أشهر طويلة في السلك الدبلوماسي يشمل مناصب من مختلف الدرجات، بما في ذلك مناصب سفراء لم يتسن التوافق على تحديد من يشغلها بسبب تكافؤ نفوذ القوى المتنافسة عليها وعدم تمكّن أيّ منها من حسم المعركة الدائرة بعيدا عن الأضواء لمصلحته.
وكشف المصدر السابق نفسه عن اجتماع للإطار التنسيقي سيعقد الأسبوع القادم لتحديد من سيشملهم الحذف من قوائم السفراء وأيضا من قد تشملهم الإضافة والإلحاق بتلك القوائم.
وعلى مدى السنوات المنقضية من عمر تجربة الحكم التي قامت في العراق إثر الغزو الأميركي له، تحولت المناصب في السلك الدبلوماسي العراقي إلى أهم الجوائز والمكافآت التي تسعى الأحزاب والفصائل المتحكمة بالمشهد السياسي في البلد للحصول عليها وإسنادها لأعضائها وأفراد أسرهم والمقربين منهم.
ولا تخرج الدبلوماسية العراقية عن سائر مؤسسات الدولة العراقية التي كثيرا ما تسببت الخلافات والصراعات على مناصبها بصعوبات في تشكيلها وأفضت إلى تأخير في ذلك قد يطول مداه، وهو ما حدث في تشكيل حكومة محمد شياع السوداني بحدّ ذاتها، وتكرّر مع عملية تشكيل الحكومات المحلية للمحافظات إثر الانتخابات التي أجريت في ديسمبر من العام الماضي وهي عملية استغرقت عدّة أشهر وأفضت في الأخير إلى تشكيل بعض الحكومات غير المستقرة التي لم ينته الصراع على مناصبها إلى حدّ الآن.
وقال مصدر سياسي عراقي إنّ قضية سدّ الشغورات في المناصب الدبلوماسية وتغيير بعض أطقم السفارات وقياداتها كانت مطروحة على جدول أعمال الحكومة الحالية منذ تشكيلها وذلك في إطار رؤية رئيس الوزراء محمد شياع السوداني بشأن الارتقاء بمستوى العمل الدبلوماسي في إطار طموحاته لبناء علاقات مختلفة للعراق ببلدان محيطه الإقليمي والدولي، لكنّ قضية المحاصصة وتنافس الأحزاب على مناصب السلك الدبلوماسي كانت تبرز كل مرّة في طريق تحقيق تلك الرؤية، على غرار ما هو جار في الوقت الحالي من صراع على مناصب السفراء.
ويزيد من تعقيد المسألة أن تعيين قياديين في السلك الدبلوماسي يتطلّب مصادقة مجلس الوزراء ومجلس النواب على المرشّحين، فيما البرلمان الحالي في حالة شلل وعجز عن ممارسة أعماله بما في ذلك سنّ التشريعات والقوانين بسبب تعذّر تحقيق التوافق بين القوى الممثلة تحت قبّته الأمر الذي حال دون إقرار قوانين مطروحة للنقاش منذ مدّة طويلة.
وتدور الصراعات على المناصب الدبلوماسية العراقية رغم وجود آلية لتأطير عملية المحاصصة للمناصب القيادية وتقنينها تقوم على اختيار السفراء بنسبة خمسة وسبعين في المئة من المتدرّجين في العمل الدبلوماسي من داخل وزارة الخارجية على أن يشمل ذلك الكوادر المتدرّجة في الترقيات التي تبدأ من ملحق وتنتهي بمرتبة وزير مفوّض.
وفي مقابل ذلك تخصّص خمسة وعشرون في المئة من تلك المناصب للأحزاب السياسية التي يتعيّن عليها، نظريا، ترشيح شخصيات تابعة لها وفقا لمعايير يتعلق بعضها بالشهادة العلمية والتحصيل والأكاديمي.
ولم يحدث أن تمّ الالتزام بحَرفية هذه الآلية وكثيرا ما تم تجاوزها والقفز عليها رغم أنّها معيبة لأنها في المحصّلة تمنح الأحزاب صلاحية التعيين بالكامل سواء جرت العملية في إطار وزارة الخارجية الخاضعة أصلا مثل باقي الوزارات ومؤسسات الدولة للأحزاب عينها، أو خارجها.
وعلى صعيد عملي أثبتت نفس الآلية عجزها عن حسم الصراعات بين القوى المتصارعة على مواقع الجهاز الدبلوماسي ومناصبه بدليل الصراع الدائر حاليا. أما على صعيد النتائج فقد أفضت طريقة الاختيار والتعيين إلى حشو الدبلوماسية العراقية بعدد كبير من المسؤولين والموظفين غير الأكفاء، عدا بعض الاستثناءات، بما انعكس سلبا على تسيير وإدارة البعثات الدبلوماسية العراقية حيث لا تنفك تتفجّر فضائح فساد وسوء إدارة داخل سفارات البلد في الخارج.
العرب

