بعد الغزو الأمريكي عام 2003 الذي أطاح بنظام صدام حسين الديكتاتوري، مر العراق بسلسلة من المراحل الانتقالية الديمقراطية بدءاً من المجلس المؤقت والبرلمان المنتخب وصولاً إلى صياغة الدستور. لكن خلف واجهة التقدم المؤسسي، برزت آلية حكم جديدة تحدد مسار العراق الحديث، وهي الميزانية الفيدرالية.
في البداية، كان الهدف توفير التمويل اللازم لإعادة الإعمار العاجلة وإصلاح البنية التحتية بعد الحرب. حيث شكلت الميزانية السنوية الأداة الرئيسية لتوفير الكهرباء والمياه والرعاية الصحية والخدمات العامة. لكن بعد نحو عقدين من الزمن، بقيت هذه المشاكل نفسها قائمة، مما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت ثروة النفط الهائلة قد استُخدمت للتنمية الحقيقية أم أنها ذهبت لتمويل فساد غير محدود ومصالح حزبية وميليشياوية.
بلد غني بحكومة فاشلة
العراق، المعروف بنهري دجلة والفرات وكونه أحد أكبر مصدري النفط في العالم، يعاني شعبه من الجفاف ونقص مياه الشرب وانقطاع الكهرباء المزمن. الخدمات الأساسية مثل مياه الشرب والصرف الصحي تنهار مع أول هطول مطر أو موجة حر. بينما تواصل الخطابات الرسمية تقديم الوعود، تختفي الأموال بعد صرفها، وتتوقف المشاريع، ويصبح الفساد أمراً اعتيادياً.
السؤال المحوري: كيف يمكن لبلد بهذا المستوى من الثراء أن يفشل بهذا القدر الكبير؟
أين ذهبت 1.396 تريليون دولار من الميزانية؟
كشفت تحقيقات صحفية، أن العراق أنفق ما مجموعه 1.396 تريليون دولار كاعتمادات للمشاريع والخدمات بين عامي 2006-2025، بينما ظلت احتياجات المواطنين كما هي، يعانون من نقص الكهرباء والمياه ورداءة الطرق وغياب الخدمات الأساسية.
2006-2009:
تراوحت الميزانية بين 34-43 مليار دولار، مع تفاصيل محدودة ونتائج غير واضحة.
2010:
قفزت إلى 72.5 مليار دولار مع وعود كبيرة بإعادة الإعمار، مثل إحياء منطقة الصدر في بغداد وتجديد البصرة ونينوى، التي لم تتحقق أبداً.
2011-2013:
بلغت ذروتها في 2013 بمبلغ 115 مليار دولار، دون أي إنجازات بنية تحتية منهجية.
2015-2019:
تقلبت الميزانية بين 66-112 مليار دولار.
2021:
خُصص 89.6 مليار دولار، بما في ذلك ديون كبيرة مرتبطة بالطاقة، دون نتائج ملموسة.
2022:
عام من الجمود السياسي بدون ميزانية.
2023-2024:
سجلت أعلى مستوى في التاريخ بـ 153 و155 مليار دولار، وفقاً لخطة ميزانية جديدة لثلاث سنوات.
2025:
لم تُقر الميزانية بعد بسبب الخلافات السياسية.
وبحسب خبراء اقتصاديين، كان من الممكن أن تغطي هذه الأموال شبكة وطنية من السدود، وشبكة كهرباء حديثة، وأنظمة صرف صحي للمدن، وحتى صندوق ثروة سيادي للأجيال القادمة. لكن بدلاً من ذلك، يبدو أن البلاد وقعت في دوامة من الإهمال والفساد.
أزمة المياه وسط وفرة الميزانية
رغم زيادة الميزانيات، واجه العراق أزمة مياه غير مسبوقة. تعاني محافظات مثل ميسان وذي قار والبصرة من جفاف الأراضي الزراعية، وانخفاض المحاصيل، وتقلص المسطحات المائية. بينما تكلفة بناء سدين رئيسيين:
سد البصرة:
تقدر تكلفته بـ 1.1 مليار دولار. رُصدت أمواله لأكثر من 10 سنوات ولم يُنفذ.
سد المخول:
أعلن عنه عام 2022 بتكلفة متوقعة 3 مليار دولار، ولا يزال في مرحلة التخطيط.
تقارير بيئية، بما في ذلك تقييمات الأمم المتحدة، تحذر من أن العراق على بعد 5 سنوات فقط من «الجفاف الكامل»، لكن لم تتخذ أي إجراءات، بينما يستمر الفساد.
شوارع غارقة وأنظمة صرف صحي عاجزة
في كل موسم أمطار، تغرق بغداد ومدن أخرى بسبب انهيار أنظمة الصرف الصحي. المشاريع التي تهدف لمعالجة هذه المشكلة نفسها غارقة في التأخير وسوء الإدارة:
– مشروع صرف صحي الهلال الخصيب في بابل:
توقف لمدة 10 سنوات قبل إحيائه عام 2019 بمبلغ 290 مليون دولار.
– مشروع السنية في ديالى:
عقد بقيمة 26 مليون دولار دون أي تقدم ملحوظ.
يشير الاقتصاديون إلى أن هذه الحالات تظهر كيف تُوجه الأموال إلى عقود متوقفة بدلاً من التنمية الحقيقية.
الكهرباء: 17 مليار دولار وظلام دائم
رغم كونه من أكبر منتجي النفط في العالم، يعاني العراق من انقطاع يومي للكهرباء.
المشكلة الأساسية: استورد العراق محطات كهرباء تعمل بالغاز دون تأمين إمدادات الغاز، مما اضطره للاعتماد على إيران، بتكلفة بلغت 17 مليار دولار منذ 2017.
أمثلة على إهدار ميزانيات الطاقة:
– ميزانية 2012:
شملت 144 مليون دولار كدين مرتبط بالكهرباء، و100 مليون دولار للإصلاحات.
– محطة الدورة في بغداد:
خُصص لها 301 مليون دولار للإصلاحات دون أي تحسن ملموس.
الفساد: السرقة المنظمة
جزء كبير من أموال الميزانيات إما لم يُنفق أو ضاع في عقود مشبوهة.
أبرز حالات الفساد:
– صفقة الرشاشات الروسية 2012:
ألغيت بعد اتهامات فساد بقيمة 4.2 مليار دولار.
– 2022:
فضيحة فساد بقيمة 2.5 مليار دولار في هيئة الضرائب، اتُهم فيها نور الزهير رئيس الهيئة، ثم أُفرج عنه بكفالة واستعاد أمواله.
تهريب العملة وتدخل أمريكي
حتى عام 2022، انتشرت عمليات غسيل الأموال، غالباً عبر بنوك مرتبطة بسياسيين، مما دفع أمريكا لفرض رقابة مالية دولية على النظام المصرفي العراقي للحد من تهريب الدولار.
حكومة تعيش على الرواتب
تهيمن النفقات التشغيلية – الرواتب والمعاشات والمخصصات – على الميزانية.
يوظف العراق أكثر من 4 مليون موظف حكومي ويدفع معاشات لمليوني متقاعد. قال رئيس الوزراء محمد شياع السوداني: «بلغت رواتب العام الماضي وحده 64 تريليون دينار (نحو 49 مليار دولار)».
كما كشفت التحقيقات، أن البرلمان العراقي أنفق منذ 2006 حوالي 325 مليون دولار على رواتب أعضائه ومخصصاتهم وأمنهم.
وفق مراجعة سياسية عام 2023 من قبل شبكة الاقتصاديين العراقيين، فإن عملية الميزانية الفيدرالية في العراق «تقدم الإنفاق على التسليم»، حيث يُهدر أكثر من ثلثي الأموال على الرواتب والمساعدات والاستيراد بدلاً من الاستثمار.

