حذر دايفيد شينكر، النائب الأسبق لوزير الخارجية الأمريكي في إدارة دونالد ترامب الأولى، من أن تمرير قانون الحشد الشعبي الجديد في العراق «سيدفع واشنطن إلى اتخاذ موقف قاسٍ ومنسق مع حلفائها الإقليميين»، معتبراً أن تقنين جماعات مسلّحة موالية لإيران ضمن هيكل الدولة العراقية يشكل «ضربة كبيرة» للمصالح الأمريكية في المنطقة.
جاء ذلك في مقال نشره «معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى»، تناول فيه شينكر تداعيات مشروع قانون الحشد الشعبي الذي وافقت عليه الحكومة العراقية في 16 تموز/يوليو، تمهيداً لعرضه على التصويت في البرلمان.
وقال شينكر إن «الميزانية السنوية للحشد تبلغ 3.6 مليار دولار، رغم أنه يضم فصائل تعادي الولايات المتحدة بوضوح، بل وتهاجم مصالحها في العراق والمنطقة»، مشيراً إلى أن هذه المجموعات تعمل بمباركة إيران، وعلى رأسها: «حركة النجباء»، «عصائب أهل الحق»، و«كتائب حزب الله»، المصنفة أمريكياً كمنظمات إرهابية.
وأضاف أنه «رغم الضربات التي تلقاها وكلاء إيران في المنطقة منذ 2023، فإن طهران لم تتخلَّ عن استراتيجيتها القائمة على دعم الميليشيات»، مؤكداً أن الدعم الإيراني للحشد الشعبي تضاعف، وأن تمرير القانون الجديد يعني تكريس وجود هذه الجماعات داخل المؤسسات الرسمية للدولة العراقية.
وأشار شينكر إلى أن الكتل النيابية الموالية لإيران، وتحديداً تلك التي تنضوي ضمن «الإطار التنسيقي» وتصف نفسها بـ«المقاومة»، دفعت نحو تمرير مشروع القانون الذي يضفي صفة القانونية والديمومة على وجود الحشد داخل البنية العسكرية والسياسية للدولة. واعتبر أن هذا التحرك يشكل تهديداً حقيقياً للعلاقات بين بغداد وواشنطن.
كما أوضح أن القانون الجديد يلغي قانون عام 2016 الذي أسّس الحشد كلجنة مؤقتة، ويحوّله إلى مؤسسة دائمة تابعة للدولة، تُنظم فيها الرتب والمناصب والسلسلة القيادية، إلى جانب إنشاء أكاديمية عسكرية خاصة بالحشد. كما يرتقي برئيس الهيئة، فالح الفياض – المصنّف على لائحة العقوبات الأمريكية – إلى مرتبة وزير وعضو في مجلس الأمن الوطني العراقي.
ونوّه شينكر إلى أن تمرير القانون تم رغم مقاطعة بعض النواب السنّة والكورد للجلسات البرلمانية السابقة، في محاولة لعرقلة اكتمال النصاب. لكنه أشار إلى أنه في جلسة 16 تموز/يوليو تم استكمال النصاب، ما مهّد لعرض القانون ضمن جدول أعمال التصويت.
وعن موقف الإدارة الأمريكية الحالية، كشف شينكر أن وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن أبلغ رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني خلال اتصال هاتفي بتاريخ 22 تموز/يوليو، بمخاوف واشنطن من أن «يقنّن هذا القانون نفوذ إيران، ويمنح شرعية قانونية لفصائل مسلحة تنتهك السيادة العراقية».
وفي هذا السياق، أشار شينكر إلى سجلّ من الانتهاكات التي تتهم واشنطن ميليشيات الحشد الشعبي بارتكابها، ومنها:
– الهجمات على السفارة الأمريكية في بغداد.
– استهداف القوات الأمريكية ضمن التحالف الدولي ضد داعش.
– إطلاق طائرات مسيّرة باتجاه إسرائيل.
– محاولات اغتيال شخصيات سياسية بارزة، بينهم رؤساء وزارات ورؤساء برلمان سابقون.
– اغتيال صحفيين، وقمع التظاهرات.
– تهديد الأقليات، خصوصاً المسيحيين في نينوى.
– استهداف منشآت نفطية وطاقوية في إقليم كوردستان.
– الهجوم الذي شنّه أعضاء من «كتائب حزب الله» الأسبوع الماضي على مقر لوزارة الزراعة أثناء محاولة تحرير مسؤول موالٍ لإيران، ما أدى إلى مقتل شرطي ومدني.
وفيما يتعلّق بموقف السوداني من القانون، قال شينكر إن «السوداني يروّج للقانون باعتباره جزءاً من (الإصلاح الأمني) المطلوب، إلا أن واشنطن لا تشاركه هذا التفاؤل»، مشيراً إلى أن القانون لا يتضمن أي نصوص تُلزم الحشد بالخضوع للمساءلة أو القوانين العراقية، ولا يُغيّر من طبيعته ككيان يتبع توجيهات الحرس الثوري الإيراني.
وحذّر شينكر من أن تمرير القانون سيكون له تأثيرات مباشرة على مستقبل العلاقات الأمريكية – العراقية، متوقعاً أن تدرس واشنطن اتخاذ عدد من الإجراءات، بينها:
1- تسريع سحب القوات الأمريكية من العراق: حيث لا يزال نحو 2500 جندي أمريكي منتشرين ضمن إطار التحالف الدولي ضد داعش. ووفق التقديرات، قد يتم سحب المئات منهم بحلول أيلول/سبتمبر المقبل، على أن يكتمل الانسحاب بنهاية 2026.
2- كشف معلومات استخبارية حول الهجمات على كوردستان: لا سيما أن الحكومة العراقية، وفق شينكر، لم تُبدِ جدية كافية في التحقيق بالهجمات بالطائرات المسيّرة على إقليم كوردستان. وإذا ثبت دعم الميليشيات لهذه الهجمات، فسيكون من الضروري نشر المعلومات للضغط على بغداد.
3- منع زيارة السوداني إلى واشنطن: وأوضح شينكر أن السوداني يسعى إلى زيارة البيت الأبيض قبيل الانتخابات الأمريكية في نوفمبر، لكسب الدعم الرمزي. لكنه اعتبر أن السماح بهذه الزيارة سيكون خطأً، في ظل وقوف حلفائه خلف الهجمات على الأمريكيين.
4- تحذير الشركات الأمريكية من الاستثمار: في ظل استمرار دعم الحكومة العراقية للميليشيات، من المرجح أن تصدر وزارة الخارجية تحذيرات رسمية، شبيهة بتلك التي أُطلقت تجاه فنزويلا.
5- مطالبة الأطراف السياسية بموقف واضح: ورغم أن التيار الصدري عبّر سابقاً عن رفضه للقانون، إلا أنه لا يمتلك حالياً تمثيلاً برلمانياً فاعلاً. في المقابل، فإن بعض الأطراف الكوردية سبق أن دعمت قانون الحشد وشاركت في تمريره، ما قد يضعها في مواجهة مباشرة مع الموقف الأمريكي.
وفي ختام مقاله، أشار شينكر إلى ما نشرته صحيفة «الأخبار» اللبنانية المقرّبة من حزب الله، والتي تحدثت عن تهديدات وجهها السفير الأمريكي في بغداد، ستيفن فاگين، إلى رئيس الوزراء السوداني، محذّراً من أن الاستمرار في تقنين الميليشيات «سيقوّض العلاقات الدولية الموحدة مع العراق».

