يثير مشروع قانون قوات الحشد الشعبي المطروح حاليا في البرلمان العراقي قلقا متزايدا لدى الولايات المتحدة، إذ يُنظر إليه على أنه خطوة جديدة نحو ترسيخ نفوذ الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران داخل مؤسسات الدولة العراقية.
ويخشى صانعو القرار في واشنطن أن يؤدي إقرار هذا القانون إلى تقويض العلاقة الأمنية والسياسية بين بغداد وواشنطن، والتي تمرّ أصلا بمرحلة من التوتر وعدم الثقة.
وينصّ القانون الجديد على تحويل الحشد الشعبي من هيئة مؤقتة أُنشئت عام 2014 لمواجهة تنظيم داعش، إلى كيان دائم يتمتع ببنية تنظيمية واضحة وامتيازات قانونية ومؤسسية، بما في ذلك إنشاء أكاديمية عسكرية خاصة به، ومنح قائده فالح الفياض، المُدرج على قائمة العقوبات الأميركية، صفة وزير وعضوية في مجلس الأمن الوطني.
وتُعد هذه البنود، في نظر العديد من المراقبين، محاولة لتحويل جماعة مسلحة خارجة عن السيطرة الحكومية الفعلية إلى ذراع رسمية للدولة، دون ضمانات حقيقية بأن هذا الكيان سيخضع للمساءلة أو لسلطة رئيس الوزراء بشكل فعّال.
ويقول ديفيد شينكر، مساعد سابق لوزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى، في تقرير نشره معهد واشنطن إنه رغم تأكيد الحكومة العراقية، وتحديدا رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، على أن القانون يمثل خطوة في إطار “الإصلاح الأمني”، إلا أن واشنطن ترى في هذا التوجه ترسيخا لدور الميليشيات الموالية لإيران داخل الدولة، الأمر الذي يشكّل تهديدا مباشرا للمصالح الأميركية في العراق والمنطقة.
وتُظهر تصريحات المسؤولين الأميركيين، ومن بينهم وزير الخارجية ماركو روبيو، أن هناك شعورا متزايدا بأن الحكومة العراقية لا تتخذ إجراءات كافية للحد من نفوذ الجماعات المسلحة، بل بالعكس تُشرعن وجودها من خلال الغطاء القانوني والتمويل الحكومي.
وباتت الولايات المتحدة، التي تحتفظ بنحو 2500 جندي في العراق ضمن مهام التحالف الدولي ضد داعش، تواجه معضلة متنامية في تبرير استمرار هذا الوجود في ظل تصاعد الهجمات التي تنفذها فصائل تابعة للحشد ضد مصالحها.
وتتصرف هذه الفصائل، التي يُموّل العديد منها من قبل الدولة، منذ سنوات وكأنها خارج سلطة الحكومة، وقد نفّذت هجمات ضد القوات الأميركية والسفارة في بغداد، واستهدفت حلفاء واشنطن، من ضمنهم إسرائيل، باستخدام طائرات مسيّرة. كما تورطت في عمليات اغتيال وتهديدات ضد صحافيين وسياسيين ونشطاء وأقليات دينية، وهاجمت منشآت حكومية في إقليم كردستان.
وترى واشنطن أن تمرير قانون الحشد الشعبي سيُوجّه رسالة سلبية إلى المجتمع الدولي، ويُضعف فرص الاستثمار الأجنبي في العراق، ويزيد من انعزال بغداد عن حلفائها الغربيين.
ورغم أن التصعيد العسكري الأميركي ليس مطروحا بقوة في هذه المرحلة، فإن واشنطن تدرس اتخاذ مجموعة من الإجراءات السياسية والاقتصادية، من بينها تسريع الانسحاب العسكري، أو فرض عقوبات إضافية على شركات مرتبطة بالحشد، لاسيما “شركة المهندس العامة” التي باتت تلعب دورا متزايدا في الاقتصاد العراقي، ما قد يُعرّض الشركات الأميركية لخطر انتهاك العقوبات المفروضة على كيانات مرتبطة بإيران.
كما تنظر واشنطن بقلق إلى نية رئيس الوزراء السوداني زيارة الولايات المتحدة في الفترة المقبلة للحصول على دعم رمزي قبل الانتخابات التشريعية المقررة في نوفمبر، إذ يُعتقد أن السماح له بهذه الزيارة دون موقف واضح من قانون الحشد الشعبي قد يُفسّر كنوع من المباركة السياسية الضمنية، في وقت تتسع فيه الفجوة بين خطاب الحكومة العراقية وممارساتها الفعلية على الأرض.
وعلى الرغم من أن واشنطن كانت تأمل في رؤية خطوات نحو دمج الحشد الشعبي ضمن القوات النظامية وتفكيك الفصائل غير المنضبطة، فإن مشروع القانون الحالي يسير في الاتجاه المعاكس تماما.
وبدلا من الحد من ظاهرة السلاح الموازي يعزز القانون مكانة الحشد كمؤسسة قائمة بذاتها، ذات صبغة طائفية واضحة، وتوجه أيديولوجي معلن لا يُخفي ولاءه لطهران، ولا يُبدي أي التزام فعلي بسيادة الدولة العراقية أو باستقلالية قرارها الوطني.
وفي ضوء هذا التصعيد التشريعي والسياسي تبدو العلاقات العراقية – الأميركية مهددة بالمزيد من التأزم، ليس فقط على المستوى الأمني، بل أيضا على المستويين الدبلوماسي والاقتصادي.
وبدلا من أن يُسهم القانون في إصلاح المنظومة الأمنية، فإنه قد يُعيد إنتاج واقع الميليشيات المسلّحة، لكن هذه المرة من داخل الدولة نفسها، ما يجعل موقف واشنطن حرجا ويُرغمها على إعادة تقييم شاملة لسياساتها تجاه العراق في المرحلة المقبلة.
على الرغم من أن واشنطن كانت تأمل في رؤية خطوات نحو دمج الحشد الشعبي ضمن القوات النظامية وتفكيك الفصائل غير المنضبطة، فإن مشروع القانون الحالي يسير في الاتجاه المعاكس تماما
وتأتي مناقشة مشروع قانون قوات الحشد الشعبي في البرلمان العراقي في وقت يشهد فيه العراق تحولات داخلية وإقليمية معقدة. فمنذ انتخابات 2021 تعيش البلاد حالة من الاستقطاب السياسي الحاد بين القوى الشيعية، وسط تراجع واضح لدور الدولة أمام تصاعد نفوذ الجماعات المسلحة المدعومة من طهران. كما أن انسحاب التيار الصدري من البرلمان فسح المجال أمام قوى الإطار التنسيقي لتعزيز حضورها التشريعي والتنفيذي، بما في ذلك تمرير تشريعات تكرّس نفوذها الأمني والمؤسسي.
وإقليميا يلقي التوتر الأميركي – الإيراني المستمر بظلاله على العراق الذي يُعد ساحة أساسية للصراع غير المباشر بين الطرفين. وقد استفادت طهران من تراجع الانخراط الأميركي خلال السنوات الأخيرة لتوسيع نفوذها عبر حلفائها في بغداد، في وقت يشهد فيه الحضور الغربي في البلاد انحسارا تدريجيا.
ومن جهة أخرى تُظهر مؤشرات أمنية متعددة أن المجموعات المسلحة الخارجة عن سيطرة الدولة تواصل نشاطها داخل العراق وخارجه، مستفيدة من الغطاء السياسي والتشريعي الذي توفره بعض الأحزاب المتنفذة. كما تعاني المؤسسات العسكرية الرسمية من تحديات هيكلية ومالية تحدّ من قدرتها على فرض سيادة القانون أو ضبط الفصائل المسلحة.
وفي هذا السياق يُطرح مشروع قانون الحشد الشعبي ليس فقط كقضية محلية، بل كحلقة في سلسلة أوسع من الصراع على مستقبل الدولة العراقية، بين من يسعى لبناء مؤسسات وطنية مستقلة، ومن يدفع باتجاه تثبيت نفوذ الأذرع المرتبطة بإيران داخل منظومة الحكم.
وتجعل هذه الخلفيات من القانون المزمع عرضه على التصويت خطوة تتجاوز بعدها المحلي، لتصبح ورقة اختبار حساسة في العلاقة بين العراق وحلفائه الغربيين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة.
العرب

