بدأت السلطات العراقية أعمال استخراج رفات من مقبرة الخسفة الجماعية التي يقدّر أنها تضمّ الآلاف من ضحايا تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” قرب مدينة الموصل بشمال البلد.
وانقضت ثماني سنوات على إعلان القوات العراقية نصرها على تنظيم داعش الذي كان قد سيطر على مناطق شاسعة بالبلاد منذ سنة 2014، لكنّ مخلفات تلك الحقبة الدامية ما تزال ماثلة في بعض المناطق التي احتلها، حيث لا يزال مصير أعداد من سكانها مجهولا وبعض مرافقها مدمرة، بينما لا يزال بعض هؤلاء السكان يعيشون في المناطق التي نزحوا إليها فرارا من عنف التنظيم ودمويته وأيضا من الحرب الضروس التي جرت ضدّه، حيث لا تزال ظروف العودة إلى ديارهم غير مهيأة بعد أن فقدوا مساكنهم وموارد رزقهم.
ويظل من أسوأ مخلفات تلك الحقبة حالة النقمة الماثلة لدى بعض المجتمعات المحلية على أفراد وفئات متهمة بالانتماء لتنظيم داعش والتعاون معه، الأمر الذي يؤخّر المصالحة المجتمعية المنشودة ويمنع إعادة إدماج عوائل بحالها محسوبة على التنظيم وتقيم في مخيمات أكبرها على الإطلاق مخيم الهول داخل الأراضي السورية.
وتعمل السلطات العراقية في الوقت الحالي على استكمال استعادة مواطنيها من المخيم سيء الصيت، كما أنّ إعادة فتح المقابر الجماعية لا تنفصل عن الجهد ذاته الهادف إلى استكمال الكشف عن أسرار حقبة داعش وطي ملفها بشكل نهائي.
لكنّ تلك الجهود لا تسلم من انتقادات كونها تهمل بشكل كامل أي محاولة لتحديد المسؤوليات عن دخول التنظيم إلى البلد وسيطرة عناصره على مناطقه، في وقت ترى فيه العديد من الدوائر وجود مسؤولية سياسية عن إضعاف القوات المسلحة بإذكاء النعرات الطائفية في المجتمع ونشر الفساد داخل القوات المسلحة ما جعلها تنهار أمام زحف بضع مئات من عناصر التنظيم.
وقال رئيس فرق التنقيب عن المقابر الجماعية في العراق أحمد الأسدي لوكالة فرانس برس، إنّ المرحلة الأولى التي انطلقت في العاشر من أغسطس الجاري متضمنة رفع الأدلة وبقايا العظام تشمل سطح محيط حفرة الخسفة الجيولوجية.
وعثر الخبراء على عظام متفرّقة بينها جماجم بشرية وفق مراسلي وكالات الأنباء في الموقع القريب من الموصل التي اتخذها تنظيم الدولة الإسلامية عاصمة له في حزيران 2014 وأعلنت القوات العراقية دحره في نهاية 2017 بعد معارك دامية.
وأوضح الأسدي أنه حتى الآن “لا عدد محددا للضحايا” في هذه المقبرة الجماعية، لكن السلطات قدّرت سابقا بأنه يراوح بين أربعة آلاف و15 ألفا.
وقد تكون الخسفة أكبر مقبرة جماعية في العراق بحسب تقرير للأمم المتحدة صدر في 2018.
ولفت الأسدي إلى أن هذه الحفرة “تحتوي على ضحايا من جميع القوميات والطوائف بينهم عناصر من الجيش وضحايا من الإيزيديين وسكان الموصل، تمّت تصفيتهم جميعا من قبل داعش”.
وأشار إلى صعوبة تعترض أعمال انتشال الرفات، مرتبطة بتدفق المياه الكبريتية تحت الأرض والتي قد تكون تسببت في تآكل الهياكل العظمية، ما يزيد من تعقيد مهمة خبراء الطب الشرعي في أخذ عينات الحمض النووي لتحديد هوية الضحايا.
وشهدت حفرة الخسفة الطبيعية بعمق يصل إلى 150 مترا وقطر يبلغ 110 أمتار واحدة من أفظع الجرائم في العام 2016 حين أعدم جهاديو تنظيم الدولة الإسلامية في يوم واحد 280 شخصا معظمهم من عناصر وزارة الداخلية، وفق السلطات المحلية.
وبعد بروزه السريع في العام 2014، كثّف تنظيم الدولة الإسلامية الإعدامات في مساحات واسعة سيطر عليها في العراق وسوريا. وترك وراءه في العراق أكثر من 200 مقبرة جماعية قد تضمّ ما يصل إلى 12 ألف جثة وفق الأمم المتحدة.
وإضافة إلى المقابر الجماعية المرتبطة بتنظيم الدولة الإسلامية، ما زالت السلطات العراقية تعثر على ما تقول إنها مقابر جماعية تعود إلى عهد صدام حسين الذي أطاح به الغزو الأميركي للعراق في العام 2003.
ومنذ العام 2006، اكتشفت السلطات نحو 289 مقبرة جماعية، بحسب مؤسسة الشهداء الحكومية المكلفة العثور على المقابر الجماعية والتعرف على الرفات.

