أطلق رئيس البرلمان العراقي محمود المشهداني، تصريحات مثيرة للجدل، كاشفا عن خفايا الأزمة التشريعية في البلاد، خاصة فيما يتعلق بإقرار قانون الحشد الشعبي، معتبرا أن الإصرار الأميركي على إبعاد الحشد والتهديدات الإسرائيلية تعني وجود نية لغزو العراق بريا.
وفي مقابلة على القناة العراقية الأولى، أوضح المشهداني أن الهدف من مقترح القانون كان يهدف في الأصل إلى “إحالة شخص واحد فقط على التقاعد”، في إشارة إلى فالح الفياض، رئيس هيئة الحشد، الذي تسعى قوى موالية لإيران إلى انتزاع المنصب منه.
كما كشف أن لجنة الأمن والدفاع النيابية نصحت بعدم تمرير القانون في الوقت الراهن لتفادي شمول كبار القادة به في ظرف حساس، وهو ما تم بالفعل.
وأكد المشهداني أن الكتل السنية ليست ضد القانون، وأن أغلبية الإطار التنسيقي قادرة على تمريره، لكن المخاوف حقيقية.
ويلقي هذا الموقف الضوء على حقيقة أن هذا القانون ليس مجرد تشريع داخلي، بل هو جزء من صراع إقليمي ودولي أوسع نطاقا، حيث أشار المشهداني إلى أن “رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يسعى لإبعاد الحشد عن القوات الأمنية تمهيدا لاستهداف العراق وتنفيذ مشروع إسرائيل الكبرى”.
وأضاف أن “تهديدا مبطنا من الولايات المتحدة ومن خلفها إسرائيل وصل إلى القادة العراقيين في حال إقرار القانون”، محذرا من “خطورة هذه التدخلات على القرار الوطني”.
وتعكس هذه التصريحات، رغم جدليتها، مخاوف حقيقية داخل الأوساط السياسية العراقية من أن يتم استهداف البلاد بشكل مباشر في حال دمج الحشد الشعبي في المؤسسة العسكرية الرسمية.
كما يؤكد التناغم في المواقف بين المشهداني وعضو لجنة الأمن والدفاع، محمد الشمري، الذي أشار في تصريح وكالة “شفق نيوز” إلى وجود “تدخلات خارجية” تعرقل عمل البرلمان، أن الضغط الخارجي هو السبب الرئيسي لتعطيل التشريعات الحيوية.
ولم يكتفِ المشهداني بالحديث عن الضغوط الخارجية، بل وجه رسالة مباشرة لمقاتلي الحشد الشعبي، محذرا إياهم من أن “هناك من يتاجر بكم ويستثمر أصواتكم انتخابيا”.
وتحمل هذه الرسالة دلالات سياسية، حيث تشير إلى أن قوى داخل الإطار التنسيقي تستغل نفوذ الحشد وقاعدته الجماهيرية لتحقيق مكاسب انتخابية، مما يضع الحشد نفسه في موقف حرج بين كونه قوة عسكرية وطنية وورقة سياسية في يد تلك الأطراف المواليا لإيران.
وهذا الصراع السياسي هو ما أدى إلى حالة الشلل التشريعي التي يعاني منها البرلمان، حيث أشار المشهداني إلى أن جلسة المشاجرة التي أدت إلى تعطيله كانت بسبب عقدها “دون اكتمال النصاب”، وأن كسر النصاب مرتبط بالخلافات حول القوانين الجدلية، وليس بانشغال النواب بالانتخابات.
يذهب هذا التوضيح إلى جوهر الأزمة، حيث أن الانقسام السياسي الحاد هو السبب الرئيسي وراء عدم قدرة البرلمان على العمل بشكل فعال، مما يؤثر سلبا على الأداء التشريعي والرقابي.
في خطوة أكثر إثارة للجدل، قارن المشهداني بين دور البعثيين ولاجئي الخارج، قائلا إن “بعض البعثيين قدموا خدمة للوطن أكثر ممن كان لاجئا في الخارج”.
ولا يمكن فهم هذه المقارنة بمعزل عن الخلفيات السياسية والشخصية للمشهداني، فرئيس البرلمان، الذي عُرف بمواقفه الجدلية، يعيد فتح ملفات حساسة تتعلق بتاريخ العراق الحديث.
وتحمل هذه المقارنة في طياتها نقدا لاذعا للعديد من الشخصيات السياسية التي عادت إلى العراق بعد عام 2003، وتولّت مناصب قيادية، في حين يرى المشهداني أن بعض البعثيين، رغم تاريخهم المثير للجدل، قدموا خدمة للبلاد.
وتعمق هذه المقارنة الانقسام داخل النسيج السياسي، وتفتح الباب أمام نقاشات حول الهوية الوطنية والولاء السياسي في مرحلة ما بعد التغيير.
كما اتهم المشهداني الأحزاب الإسلامية بأنها تعاني من “اختراقات داخلية” دون أن تدرك ذلك، وهو ما يؤكد على حالة عدم الثقة السائدة داخل الكتل السياسية.
وتشير هذه الاتهامات المبطنة إلى أن هناك قوى خفية تعمل على تقويض هذه الأحزاب من الداخل، وهو ما يلقي الضوء على تعقيد الشبكة السياسية في العراق.
وتأتي تصريحات المشهداني في ظل أزمة مستمرة داخل المؤسسة التشريعية. فقد عقد البرلمان العراقي 132 جلسة فقط منذ بداية الدورة في يناير 2022، وهو عدد قليل جدا مقارنة بالنظام الداخلي الذي ينص على عقد 256 جلسة سنويا. هذا التراجع في الأداء التشريعي هو نتيجة مباشرة للانقسامات الحادة بين الكتل السياسية، وغياب التوافق حول الملفات الكبرى.
هيمنة بعض الأطراف النافذة على قرارات البرلمان، كما أشار المشهداني، ساهمت في إضعاف دوره وتراجع ثقة المواطنين بفعاليته.
وتكرار تعطيل الجلسات وتغييب القوانين الإصلاحية، مثل قانون الحشد الشعبي، دفع بعض النواب إلى طرح خيار حل البرلمان كمدخل لإعادة بناء المشهد السياسي.
تعد تصريحات المشهداني كشفًا لأزمة أعمق في العراق، فهي تتجاوز حدود البرلمان لتشمل صراع النفوذ الداخلي، والتدخلات الخارجية، وضعف المؤسسات. هذه التصريحات قد تساهم في إيجاد حل للأزمة، أو قد تزيد من تعقيد المشهد السياسي في بلد لا يزال يبحث عن استقراره.
العرب

