جاء الإفراج عن إليزابيث تسوركوف الباحثة الحاملة للجنسيتين الإسرائيلية والروسية مخالفا لما هو معروف عن كتائب حزب الله العراق، الجهة الخاطفة لتسوركوف، من تشدّد، وخصوصا إزاء كل ما له صلة بالدولة العبرية نظرا للارتباط الوثيق بين الكتائب والحرس الثوري الإيراني.
لكنّه جاء من جهة مقابلة متوافقا مع تهدئة عامّة لجأت إليها الميليشيات الشيعية العراقية توقيا من تعرضها لضربة قاصمة على يد إسرائيل التي أثبتت عمليا عدم التزامها بأي خطوط حمراء في ضرب أعدائها حيثما كانوا، من اليمن حيث جماعة الحوثي إلى إيران مرورا بغزّة ولبنان حيث تلقى حزب الله المنتمي مع تلك الميليشيات نفسها إلى المحور الإيراني.
كما جاء مستجيبا لجهود حكومة رئيس الوزراء محمّد شياع السوداني الهادفة للنأي بالبلد عن التوترات الإقليمية حفاظا على ما تحقق من استقراره وحماية لمصالحه التي يرتبط قسم كبير وحيوي منها بالولايات المتحدة التي لا تجد بغداد أي مصلحة لها في استثارة إدارتها الحالية بقيادة دونالد ترامب والتعرض، من ثمّ، لضغوطها السياسية والاقتصادية، وربما لضربات من قواتها توجّه للفصائل المسلحة العراقية التي لا تعترف واشنطن بشرعيتها ولا تكف عن مطالبة السلطات العراقية بحلّها وضبط سلاحها.
ومن هذه الزاوية لا يختلف الإفراج عن تسوركوف من حيث الدوافع والأهداف عما أقدمت عليه الحكومة العراقية مؤخّرا بموافقة ضمنية من الميليشيات المسلحة حين سحبت قانون الحشد الشعبي المنظم لشؤون الميليشيات من البرلمان الذي كان يستعد لمناقشته وإقراره في خطوة كانت ستثير غضب إدارة ترامب الرافضة لمزيد ترسيم الحشد كمؤسسة رسمية من مؤسسات الدولة العراقية.
وتحمل الميليشيات العراقية على محمل الجدّ إمكانية العمل العسكري ضدّها وهي التي سبق أن خبرت أكثر من مرّة شدّة الضربات الأميركية لها وخصوصا عندما فقدت اثنين من كبار قادتها ورموزها، قاسم سليماني القائد السابق لفيلق القدس الإيراني وأبومهدي المهندس القيادي الكبير في الحشد الشعبي واللذين قتلا قبل أكثر من خمس سنوات في غارة أميركية بالقرب من مطار بغداد الدولي.
وما يضاعف هواجس تلك الميليشيات كون القوات الأميركية شرعت مؤخّرا في مغادرة قواعد كانت تتمركز فيها داخل العراق نحو أماكن أكثر بعدا عن مرمى صواريخ الفصائل الشيعية في إقليم كوردستان وسوريا المجاورة الأمر الذي يجعلها في موقع أفضل لاستهداف تلك الفصائل دون التعرض لردات فعلها.
وأعلن رئيس الوزراء العراقي وكذلك الرئيس الأميركي دونالد ترامب مساء الثلاثاء الإفراج عن تسوركوف المخطوفة منذ العام 2023 في العراق. وفيما أكّد متحدث باسم السوداني أن “مجموعة من الخارجين عن القانون” خطفتها، قال ترامب إن فصيل كتائب حزب الله النافذ والموالي لإيران، أفرج عن الأكاديمية.
ويتضمن كلام ترامب رسالة صارمة للحزب مفادها أنّه واقع بالفعل تحت مجهر ملاحظة الولايات المتحدة وأن تحركاته مرصودة من قبل الأجهزة والقوات الأميركية. وكتب السوداني في منشور على منصة إكس “تتويجا لجهود كبيرة بذلتها أجهزتنا الأمنية وعلى مدى شهور طويلة، نعلن عن تحرير المواطنة الروسية إليزابيث تسوركوف.”
ومن جهته، قال ترامب على منصته تروث سوشال إنّ “فصيل كتائب حزب الله أفرج الآن” عن تسوركوف التي قال إنّ “شقيقتها أميركية.” وأضاف أن الباحثة “الآن بأمان في السفارة الأميركية في العراق بعدما تعرّضت للتعذيب على مدى أشهر عدّة.”
وفُقد أثر تسوركوف، طالبة الدكتوراه في جامعة برينستن الأميركية والباحثة في معهد نيولاينز للإستراتيجية والسياسة، في العراق في مارس 2023. وفيما اتهمت إسرائيل كتائب حزب الله العراقي بخطفها، لمّح الفصيل وقتها إلى أنّه غير مسؤول عن الأمر.
ويُرجّح أن تكون تسوركوف قد دخلت العراق بجواز سفر روسي في إطار بحث كانت تجريه لإعداد رسالة الدكتوراه في جامعة برينستن في زيارة لم تكن الأولى لها إلى هذا البلد. ومن جهته، قال صباح النعمان المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلّحة، إنّ “مجموعة من الخارجين عن القانون” خطفت تسوركوف في بغداد في 2023.
وأضاف: “بعد جهود أمنية واستخبارية مميزة تمكّنت الأجهزة المختصة في التاسع من سبتمبر الجاري من كشف مكان احتجازها والوصول له، وتسليمها لاحقا إلى سفارة الولايات المتحدة الأميركية التي ستتولى بدورها إيصالها إلى شقيقتها التي تحمل الجنسية الأميركية.”
وأكّد أنّ “أجهزتنا الأمنية تواصل عملها في ملاحقة جميع المتورطين بهذه الجريمة وتقديمهم للمحاسبة وفقا للقانون.” وكتبت إيما تسوركوف على منصة إكس عقب إعلان الإفراج عن شقيقتها: “عائلتي بأكملها في غاية السعادة. نتوق لرؤية إليزابيث ومنحها كل الحب الذي كنا ننتظر منحه طيلة 903 أيام.”
ومن جهته، قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في منشور على منصة إكس الأربعاء: “بعد أقل من أسبوع من توقيع الرئيس ترامب أمرا تنفيذيا لتعزيز الجهود ضد دبلوماسية الرهائن، أُطلِق سراح الطالبة في جامعة برينستن إليزابيث تسوركوف، وستجتمع مجددا بعائلتها.” وأضاف: “نشكر رئيس الوزراء العراقي على دعمه في تحرير إليزابيث.”
وفيما لم يتبنّ الفصيل العراقي خطف تسوركوف، قال مصدر فيه لوكالة فرانس برس الثلاثاء إن “العملية التي جرت هي إطلاق سراح وليست تحريرا.” وأضاف: “لم تجرِ أيّ عملية عسكرية لتحريرها، إنّما أُفرج عنها وفقا لشروط وأبرزها تمهيد لانسحاب القوات الأميركية دون قتال وتجنيب العراق أيّ صراعات وقتال.”
وفي بغداد، ركّزت تسوركوف في بحثها على فصائل موالية لإيران وعلى التيار الصدري الذي يقوده الزعيم الشيعي العراقي مقتدى الصدر، وفقا لصحافيين التقوها. و”كتائب حزب الله” جزء من الحشد الشعبي، وهو تحالف فصائل عراقية موالية لطهران بات منضويا في القوات الحكومية. لكن غالبا ما يُتهم هذا الفصيل باتخاذ قراراته بنحو مستقلّ.
وتطالب فصائل عراقية مسلحة موالية لإيران وعلى رأسها كتائب حزب الله، بانسحاب قوات تنشرها الولايات المتحدة في إطار التحالف الذي أنشأته واشنطن في العام 2014 لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية.
وعقب اندلاع الحرب بين إسرائيل وحماس في قطاع غزة في أكتوبر 2023، تبنّى بعض هذه الفصائل إطلاق عشرات الصواريخ والطائرات المسيّرة على مواقع في العراق وسوريا تنتشر فيها قوات أميركية في إطار التحالف الدولي. وردّت هذه القوات بضربات عنيفة على أهداف مرتبطة بطهران.
لكنّ السلطات العراقية نجحت إلى حدّ بعيد في إبقاء البلد بمنأى من تداعيات الحرب التي طالت الكثير من دول المنطقة. وكشفت بغداد وواشنطن عن جدول زمني لانسحاب قوات التحالف الدولي، وذلك بعد سبعة أعوام من إعلان القوات العراقية دحر تنظيم الدولة الإسلامية محليا، على أن يعقد العراق عوضا عن ذلك شراكات ثنائية مع كل دولة عضو في التحالف.
ومن المتوقع أن يُنهي التحالف الدولي مهمته العسكرية هذا العام في العراق، وبحلول سبتمبر 2026 في إقليم كوردستان المتمتع بحكم ذاتي في شمال العراق.
العرب

