أثار تكرار انتشار بيانات مزيفة نسبت إلى المرجع الديني في العراق، علي السيستاني، تدعو إلى المشاركة في الانتخابات البرلمانية، المقرر إجراؤها بعد أقل من شهرين، جدلاً واسعاً. وبينما نفى مكتب المرجع صحة تلك البيانات، أكد مراقبون أنها تعكس تخوف الطبقة السياسية من ضعف المشاركة الانتخابية. وتداولت وسائل التواصل الاجتماعي أخيراً، بياناً نسب الى مكتب السيستاني وحمل ختمه، كان ردّاً على استفسار مقدم إليه من مجهول حول “إمكانية دعم المرجع للانتخابات”، وتضمن البيان إجابة من المرجع بأنه “يجب على المؤمنين المشاركة في الانتخابات المقبلة واختيار الأصلح”. إلا أن مكتب السيستاني، رد على البيان، مؤكداً أنه “مزيف”، وقال المكتب في بيان له صدر مساء أمس الاول الأربعاء، إن “الاستفتاء مزيف”، مشدداً على أنه “لم يصدر عن مكتب المرجع أي بيان”.
البيان المزيف ليس الأول من نوعه، إذ سبق أن تداولت وسائل إعلام ومنصات تواصل في فترات سابقة بيانات مماثلة، ومن ثم عاد مكتب السيستاني لنفيها. ويرى مراقبون أن تكرار تلك البيانات يعكس تصاعد مخاوف القوى السياسية من ضعف الإقبال على المشاركة في الانتخابات المقبلة، حيث تسعى بعض الأطراف خاصة القوى التقليدية ضمن تحالف “الإطار التنسيقي” من استغلال مكانة المرجعية لإضفاء شرعية على دعوات تلك الأطراف للمشاركة الواسعة.
الناشط السياسي عن التيار المدني العراقي، محمد الجبوري، أكد أن إصدار بيانات دينية مزيفة تحث على المشاركة بالانتخابات: “تعكس حالة القلق السياسي من مقاطعة الانتخابات”. وقال في تصريح لصحيفة “العربي الجديد”، إن “بعض القوى التقليدية حاولت الحصول على دعم المرجع في الفترة السابقة لكنها فشلت، وما نراه من بيانات مزيفة هي حالة لعدم طمأنينة هؤلاء بشأن الحفاظ على مكتسباتهم في الانتخابات المقبلة”. ولم يستبعد أن “تقف تلك الأطراف وراء هذه البيانات، لتحقيق أجندات خاصة”، مشيراً إلى أن “المرجع أكد مرات عدة موقفه الحيادي، وأنه ينأى بنفسه عن التدخل بالتصويت، وأن هذا الموقف نابع من حرصه الكبير على نزاهة الانتخابات”.
وكان لمواقف السيستاني تأثير بارز على المشاركة، خصوصاً في انتخابات 2005 التي التي اعتبرت مفصلية في بناء النظام السياسي الجديد في العراق، غير أن المرجعية الدينية، بعد العام 2010 وما تلاها نأت بنفسها وأخذت مسافة واحدة من الجميع، مؤكدة أنها لا تدعم طرفاً بعينه ولا تدعو إلى التصويت.
وبخصوص التداعيات المحتملة، حذر مختصون في الشأن السياسي من استمرار تداول بيانات مزيفة وتأثيرها على نزاهة الانتخابات، وقال أستاذ السياسة الدولية في جامعة بغداد، معد العبودي، إن “تداول هذه البيانات يضعف ثقة الشعب بالانتخابات المقبلة، ويعمق الفجوة بين الشارع والقوى السياسية”. وأضاف في تصريح له “كما قد يؤدي ذلك إلى زيادة التوترات الداخلية حول حدود الدين والسياسة، وهو جدل محتدم في التجربة العراقية”.
يجري ذلك وسط توقعات بتدني نسب المشاركة في الانتخابات المقبلة إلى دون الـ 35%، بسبب استمرار القوى والأحزاب التقليدية في التحكم والهيمنة على المشهد السياسي في العراق. وتحاول الحكومة طمأنة القوى السياسية والعراقيين بشأن تأمين أجواء الانتخابات المقبلة، محاولة تبديد المخاوف بشأن نزاهتها وعدم التأثير بالنتائج من قبل أطراف معينة، سعياً لتأمين مشاركة أوسع. وفي الانتخابات التشريعية العراقية للدورة البرلمانية الخامسة، التي أجريت عام 2021، سجلت النتائج أدنى نسبة مشاركة منذ عام 2005، حيث بلغت 41%.
وشهد العراق بعد الغزو الأميركي في عام 2003 خمسة انتخابات تشريعية، أولها في عام 2005 (قبلها أُجريت انتخابات الجمعية الوطنية التي دام عملها أقل من عام)، وآخرها في أكتوبر/ تشرين الأول 2021، وتمّ اعتماد قانون الدائرة الواحدة لكل محافظة في النسخ الأربع الأولى. في المقابل، أُجريت الانتخابات الأخيرة في عام 2021 وفق الدوائر المتعددة، بعد ضغط قوي من الشارع والتيار المحسوب على مقتدى الصدر لإجراء هذا التعديل الذي كان يعارضه الإطار التنسيقي. وفي مارس/ آذار 2023، صوّت البرلمان العراقي على قانون التعديل الثالث بشأن قانون الانتخابات في العراق الذي أعاد اعتماد نظام الدائرة الواحدة إلى كل محافظة.

