zagros news agency

الجانب المظلم للطفرة الاقتصادية في العراق

يجد الاقتصاد العراقي نفسه عند مفترق طرق من التناقضات. ففي بغداد وغيرها من المدن الكبرى، تزدهر المشاريع العقارية الطموحة، ومراكز التسوق الفخمة، والأبراج الفاخرة، كرموز للاستقرار والتحديث. إلا أن الكشف عن تلاعب الميليشيات المدعومة من إيران والبنوك الفاسدة بالنظام المالي العراقي يلقي بظلاله القاتمة، ويطرح سؤالا مقلقا: إلى أي مدى يعكس هذا التقدم الظاهري نموا اقتصاديا حقيقيا، وإلى أي مدى تُخفى الأموال غير المشروعة في الخرسانة والزجاج والفولاذ؟

وكشفت تقارير حديثة لصحيفة وول ستريت جورنال كيف استُغلت المؤسسات المالية العراقية لنقل مليارات الدولارات إلى الخارج تحت ستار الواردات والإنفاق الاستهلاكي. ومن فواتير التجارة المتضخمة إلى بطاقات كيو آي مسبقة الدفع التي تُفرغ في أجهزة الصراف الآلي في جميع أنحاء الإمارات العربية المتحدة، تُسلط هذه النتائج الضوء على هشاشة النظام المصرفي العراقي، وعلى النطاق المذهل للتدفقات المالية غير المشروعة الخارجة. وترتبط هذه المخططات مباشرة بطفرة العقارات والتجارة الحالية التي تُعيد تشكيل مدن العراق، وهي طفرة قد تُشكل، في الواقع، واجهة لغسيل أموال واسع النطاق لشبكات مدعومة من إيران ووسطائها الماليين.

واستعادت بغداد موقعها على الواجهة حيث تُزيّن الأبراج والمراكز التجارية، الأفق وتعجّ المقاهي والمطاعم بالحركة في بلد تكدّست فيه سابقا أنقاض الحرب. وتعود الامتيازات الأجنبية بحذر إلى سوق اعتُبر مجمّدا لفترة طويلة. وقد يُخطئ المرء في اعتبار هذا التطوّر، للوهلة الأولى، انتعاشا اقتصاديا إذا تجاهل مصدر التمويل. وهذه الثنائية المضطربة (بغداد كمدينة مزدهرة ومغسلة للأموال) تُعرّف المفارقة الاقتصادية العراقية. الأبراج حقيقية بلا شك، لكن شرعية الأموال التي تقف وراءها ليست كذلك.

الجريمة التجارية

ليس غسل الأموال القائم على التجارة ظاهرة جديدة في العراق. فالاقتصاد المثقل بالسيولة النقدية، والحدود غير المحكمة، والشبكات المترابطة سياسيا، تجعل البلاد أرضا خصبة لمثل هذه الجرائم. وتُغادر مليارات الدولارات سنويّا العراق “على الورق” لواردات غالبا ما لا تصل. وتشير التقديرات إلى أن ما يقرب من 70 مليار دولار تُسجل سنويا ضمن نفقات الاستيراد، بينما لا يدخل البلاد فعليا سوى 20 مليار دولار من البضائع. ويوفّر هذا النقص المتبقي قناة شبه مثالية لتحويل الأموال غير المشروعة إلى الخارج بأقل قدر من التتبع.

وتستغل الميليشيات وعصابات التهريب هذه الثغرات النظامية بطرق مختلفة. فالمبالغة في الفواتير أو نقصها يسمحان بتضخيم بيانات الاستيراد لتبرير تحويل الأموال إلى الخارج. ويتم الإعلان عن الشحنات الوهمية، وتُصدر فواتير مزدوجة، واحدة للجمارك وأخرى للبنوك، لإخفاء القيم الحقيقية. وفي الوقت نفسه، يُهرَّب الوقود العراقي المدعوم عبر الحدود، محققا أكثر من مليار دولار سنويا لإيران ووكلائها، وفقا لرويترز.

وكشفت وول ستريت جورنال أيضا أن الميليشيات قد تكيفت مع الأنظمة المالية الحديثة، مستغلة ثغرات فيزا وماستركارد عبر بطاقات كيو آي مسبقة الدفع لسحب مبالغ طائلة من الخارج وإعادة تدوير الدولارات في الأسواق غير النظامية في العراق. وبلغ حجم تداول هذه الخطة في ذروتها 1.5 مليار دولار شهريا. والنتيجة ليست مجرد خسارة سببها الفساد، بل إعادة توجيه شريان الحياة المالي العراقي إلى شبكات تسيطر عليها الميليشيات وسماسرة السلطة.

وتطورت قوات الحشد الشعبي، وهي تحالف من الميليشيات المدعومة من إيران، إلى ما هو أبعد من دورها العسكري لتصبح قوة اقتصادية مهيمنة. وهي مُسلحة بميزانية حكومية بمليارات الدولارات، وتسيطر على نقاط تفتيش رئيسية وطرق تجارية، وتحظى بحصص ملكية في صناعات تشمل البناء والنقل والطاقة وتجارة التجزئة. وتُرسّخ قوات الحشد الشعبي بهذا نفسها في اقتصاد الظل العراقي.

وتُوفّر الطاقة بعضا من أكبر الأرباح. إن الكيانات المرتبطة بقوات الحشد الشعبي متجذّرة بعمق في سوق الوقود العراقي، حيث تُهرّب البنزين المدعوم، وتُسيطر على المستودعات، وتُدير عقود الكهرباء. وتُولّد هذه العمليات دخلا هائلا، بينما تمنح نفوذا على الحياة اليومية، حيث يجعل النقص المستمر في الوقود والكهرباء في العراق هذه السيطرة أداة سياسية فعّالة.

وقد واجهت العديد من هذه الجهات بالفعل عقوبات أميركية أو تصنيفات ضمن المنظمات التي تُموّل الإرهاب، مما زاد من حاجتها إلى غسل الأموال. وتُضخّ الأموال المتأتية من التهريب والابتزاز وعقود الدولة المُضخّمة إلى شركات تبدو شرعية. ويتدفق جزء كبير من الاقتصاد النقدي العراقي عبر هذا النظام، مُحوّلا الأرباح القذرة إلى إيرادات رسمية.

ويُشير مُحلّلون عراقيون إلى أن الأذرع المالية التابعة لقوات الحشد الشعبي تعمل كبوابات ومواقع غسيل في آنٍ واحد، مما يُسهّل حركة الأموال غير المشروعة إلى شركات البناء وشركات الخدمات اللوجستية والمشاريع التجارية. وقد لاحظ أحد الاقتصاديين في حديث خاص أن هذه الجماعات تدير “شركات أكثر من الوزارات”، مُضيفا أنه عندما تُفرض العقوبات، “لا يتوقف المال، بل يجد مسارا أنظف.”

وتُفسر هذه الديناميكية تدفق الاستثمارات على مراكز التسوق والعقارات وشركات الامتياز. بالنسبة لقوات الحشد الشعبي وحلفائها السياسيين، لا تُولّد هذه المشاريع الربح فحسب، بل تُضفي الشرعية أيضا، مُدمجة رأس المال غير المشروع في الاقتصاد الرسمي العراقي، بينما تبدو وكأنها تُشارك في تعافيه بعد الحرب.

واجهة بغداد الجديدة

مع تدفق رأس المال الخفي هذا، يشهد المشهد الحضري في العراق تحولا. ويُتوقع أن يكون “مول الرافدين” في بغداد، الذي تبلغ مساحته قرابة مليون متر مربع، أكبر مجمع تجاري وترفيهي في البلاد، مُكتملا بشوارع تسوق فاخرة ومدينة ملاه ومساحات خضراء.

وسيضم “مول العراق”، المقرر إتمامه في أغسطس 2025، فندقا من فئة خمس نجوم وبرجا سكنيا و350 متجرا ومطعما. ويُسوّق مشروع جادة بغداد، المدعوم من السعودية الذي تبلغ تكلفته مليار دولار لأكبر مركز تسوق في البلاد، مُحاطا بالفلل والمكاتب والمناطق الترفيهية. وفي كردستان، يجمع مشروع “إمباير وورلد” في أربيل، الذي تبلغ تكلفته 2.7 مليار دولار، بين المساكن الراقية وأبراج التجارة ومساحات عصريّة في مجمع ضخم واحد.

وترمز هذه المشاريع إلى نهضة جديدة بالنسبة للقيادة العراقية، حيث ترى فيها دليلا على انفتاح البلاد على الأعمال التجارية وقدرتها على جذب العلامات التجارية العالمية بعد الحرب. ومع ذلك، تثير نتائج وول ستريت جورنال سؤالا ملحا خلف هذه الصور البراقة: من يُموّل هذا الازدهار حقا؟ نادرا ما يتغير الجواب المُتداول في دوائر الأعمال ببغداد، حيث يُقال إن كل مشروع يعود إلى قائد ميليشيا وسياسيّ، مع أن الملكية مُخبأة خلف وكلاء وممولين ممثّلين.

أثار هذا الشك قلق مجموعات الضيافة الدولية. وتواصل أحد مشاريع مراكز التسوق الكبرى في بغداد، بتكتم، مع سلاسل فنادق فاخرة مثل كمبينسكي وأكور، لكنهما رفضتا. ويقول مُطّلعون إن القرار لم ينبع من إمكانات السوق العراقية التي لا تزال قوية، بل من مخاوف تتعلق بالسمعة.

وأوضح مسؤول تنفيذي في كمبينسكي في حديث خاص أنه عندما تكون هياكل الملكية غامضة أو مرتبطة بشبكات خاضعة للعقوبات، لا يُمكن لأي فرصة تجارية أن تفوق المخاطر. ويشير التجنّب إلى الكثير في قطاع تُعتبر فيه الصورة الشخصية بنفس أهمية الدخل.

ويتطلب فهم كيفية تغلغل الأموال غير المشروعة في العراق النظر إلى ما وراء ناطحات السحاب، وإلى المؤسسات الصغيرة ذات السيولة النقدية العالية التي تموّلها. وتُشكّل المطاعم والمتاجر الكبرى والصالونات وشركات البناء وأماكن الترفيه واجهات ملائمة لعمليات غسل الأموال.

وبدأت سلاسل دولية بدخول السوق العراقية، من بينها كنتاكي، وبيتزا هت، وبرغر كينغ، وزارا، ومانغو، وإل سي وايكيكي. وتتوسع غالبا من خلال نماذج الفروع والتراخيص التي تحد من تدخّل الشركات المباشر. كما تُسهّل هذه الترتيبات على الشبكات غير المشروعة إخفاء الأموال المشبوهة على أنها مبيعات مشروعة وتضخيم الإيرادات وتزوير الفواتير، أو تحويل الأموال غير المسجلة عبر شركات واجهة.

وتتبع عملية غسل الأموال دورة متوقعة: يُدخل الإيداع الأموال غير المشروعة إلى النظام من خلال مبيعات نقدية مبالغ فيها، ويُخفي الدمج أثرها عبر شركات متعددة أو فواتير مزورة. ويُعيد الدمج إدخال الأموال بصفتها أرباحا مشروعة، يُعاد استثمارها غالبا في مشاريع عقارية أكبر.

وبهذه الطريقة، يمكن أن تصبح منافذ البيع الاستهلاكية اليومية، من سلاسل مطاعم البرغر إلى وكالات بيع السيارات، قنوات للتمويل غير المشروع. وهذا يُعرّض حتى العلامات التجارية المشروعة لمخاطر تتعلق بالسمعة والقانون عندما يرتبط شركاؤها أو مورّدوها بشبكات غسل أموال مدعومة من الميليشيات.

ووصف مسؤول أمني عراقي كبير حجم المشكلة، مشيرا إلى أن كميات كبيرة من البضائع الأميركية المحظورة تُهرَّب إلى إيران برا. ومع خضوع العديد من الموانئ لسيطرة الميليشيات فعليا، يُمكن نقل كلّ من النقد والبضائع عن طريق السفن مع أدنى حدّ من الرقابة. وحتى مع لوائح البنك المركزي الجديدة، قال المسؤول إن هذه الشبكات تُحافظ على سيطرة فعلية على نقاط الدخول والخروج الحيوية.

غسيل الأموال التقليدي

عالميا، لا يزال قطاع العقارات أحد أكثر الوسائل فعالية لغسل الثروات غير المشروعة. تختفي هياكل الملكية الغامضة المُسجلة غالبا تحت شركات وهمية أو وكالات المستفيدين الحقيقيين. وتسمح تقييمات العقارات المرنة باستيعاب مبالغ تكاد تكون غير محدودة دون تدقيق. يُسهّل الاقتصاد القائم على النقد في العراق على هذه العملية حدا كبيرا، مما يُتيح تداول مبالغ طائلة دون الحاجة إلى اعتماد مسارات مصرفية واضحة.

ويزيد سوء التنظيم المشكلة تعقيدا. وعلى الرغم من أن البنك المركزي يسارع بتشديد الرقابة وخفض عتبات الثقة بالإلزامي، إلا أن تطبيق القانون لا يزال غير متسق، وتفلت الشخصيات النافذة من المساءلة.

ويُهيئ مزيج من تدفقات هائلة غير مشروعة، ورقابة هشة، وتنمية متعطشة لرأس المال، بيئة مثالية لغسل الأموال. وهكذا، قد لا تُعتبر أبراج العراق ومراكزه التجارية المتألقة مجرد معالم للتقدم، بل أدوات لغسيل الأموال أيضا. وتُمثل هذه الأصول الهيبة والحماية بالنسبة للنخبة السياسية في البلاد، مما يُحافظ على السلطة والثروة غير المشروعة بما يتجاوز بكثير نطاق المناصب الرسمية أو هيمنة الميليشيات.

ومع تنامي مدن العراق، قد لا تعتمد أسسه على الاستثمار الحقيقي بقدر ما تعتمد على تحويل الأموال القذرة إلى ممتلكات فاخرة. ويعني هذا بالنسبة للعراقيين العاديين مستقبلا تتألق فيه مراكز التسوق لكن المساءلة تبقى غائبة، وحيث تتردد العلامات التجارية العالمية في المشاركة خوفا من تلوث سمعتها.

لقد تفطنت واشنطن إلى هذا الأمر. وأشار مسؤول كبير في وزارة الخزانة الأميركية إلى أن الشبكات التي تقف وراء هذه المشاريع تخضع بالفعل للتدقيق، وأن إدارة ترامب مستعدة للرد، مؤكدا أن الولايات المتحدة لن تسمح باستغلال النظام المالي العراقي بطرق تهدد أمنها القومي.

وتحت واجهة بغداد الجديدة البراقة، تكمن شبكة من عمليات غسل الأموال والتهريب والتمويل غير المشروع، ظاهرة بالفعل للسلطات الأميركية.

الرسالة الكامنة وراء ذلك جلية: ما يعتبره البعض انتعاشة اقتصاديّة قد يراه آخرون قريبا علامة تحذير. وقد يؤدي سعي العراق إلى استعادة الحياة الطبيعية إلى إشعال مواجهة جديدة مع النظام المالي العالمي.

 

 

 العرب ويكلي

هەواڵی پەیوەندیدار

العراق.. اشتباكات بين متظاهري المهن الصحية وقوات الأمن

کەریم

من “فئة مليون دولار”.. المركزي العراقي يحذر من تداول نقود تذكارية

کەریم

وكالة الأنباء زاگروس قريباً 1 #7

hakar herki