أعلن العراق وتركيا أمس الأحد التوصل إلى اتفاق تاريخي لتنظيم ملف المياه بين البلدين، ليشكل هذا الإنجاز تحولا جذريا في طبيعة العلاقة الثنائية من أزمة مزمنة إلى شراكة استراتيجية.
ويتوّج التوقيع على هذه الاتفاقية عقودا من التوتر حول حصص مياه نهري دجلة والفرات، ليفتح الباب أمام تعاون شامل يمسّ القضايا الأمنية والاقتصادية الحساسة للطرفين.
وكان التوتر حول حصص مياه نهري دجلة والفرات يمثل العقدة الأبرز في العلاقات الثنائية على مدى عقود، حيث مثلت المشاريع التركية على مجرى النهرين، لاسيما سدود مشروع جنوب شرق الأناضول، تحديا مائيا وجوديا للعراق.
لكن، هذا الاتفاق التاريخي يحقق قفزة نوعية بتجاوز مرحلة المطالبة بحصص ثابتة نحو التعاون في “إدارة وتنظيم” ملف المياه المشترك، بما يضمن جريانا مستداما للمياه ويفتح الباب لإصلاح البنى التحتية المائية العراقية، وهو تحول أكده البلدان ليعلنا عن نهاية مرحلة الأزمة المائية وبداية حقبة التعاون الفني واللوجستي.
وأكد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، في مؤتمر صحافي عقده مع نظيره التركي هاكان فيدان الذي يزور العراق حاليا، أنه “سيتم اليوم التوقيع على وثيقة اتفاق بين العراق وتركيا لتنظيم العلاقات بين البلدين في إدارة وتنظيم ملف المياه، وهي الأولى من نوعها في تاريخ العلاقات بين البلدين”.
وأضاف أن هذه الاتفاقية هي “حصيلة مباحثات جرت بين البلدين في أنقرة مؤخرا ووصلنا إلى تفاهمات تمت ترجمتها إلى اتفاق تاريخي بين البلدين”.
وتأتي هذه الخطوة بعد جهود مكثفة، حيث أعلن فؤاد حسين في وقت سابق من صباح اليوم الأحد، بمنشور على منصة إكس، أنه سيناقش مع نظيره التركي عددا من القضايا ذات الاهتمام المشترك وأهمها سبل إدارة الموارد المائية وتنظيم استخدامها بما يحقق مصالح البلدين.
وكان وفد رفيع المستوى من الحكومة العراقية، برئاسة وزير الخارجية ووزير الموارد المائية عون ذياب عبدالله، قد زار في العاشر من شهر أكتوبر الماضي العاصمة التركية أنقرة والتقى بوزير الخارجية التركي، مما يدل على تسريع وتيرة المباحثات للوصول إلى هذه النتيجة.
بدوره أكد وزير خارجية تركيا خلال المؤتمر الصحافي أن “الاتفاقية التي ستوقع اليوم في مجال المياه مهمة وتاريخية وهي الأولى من نوعها بين البلدين”، مشددا على أنها “ستفتح الآفاق بين البلدين لتنظيم المياه والبنى التحتية للعراق في مجال المياه”.
وقال فيدان “نأمل أن تفتح هذه الاتفاقية الطريق لإصلاح البنى التحتية المائية في العراق”، مما يمنح تركيا دورا استشاريا وتقنيا وشريكا في الجهود العراقية لمعالجة نقص المياه وتدهور البنية التحتية.
كما ذكر فيدان أن “الحكومة التركية تحترم إرادة شعب العراق وخياراته في الانتخابات البرلمانية المقبلة”، مشيرا إلى أن تركيا “تدعم جهود العراق في محاربة الفساد وتحقيق الأمن والاستقرار.
ودعا الوزير التركي دول المنطقة إلى “التعاون فيما بينها والتوحد إزاء الأحداث”، رابطا الاتفاق الثنائي بالاستقرار الإقليمي الأوسع.
وتتجاوز أهمية الاتفاق ملف المياه إلى تحقيق تقارب أمني وسياسي غير مسبوق في القضايا الشائكة، أبرزها الملف الكردي.
وذكر الوزير فؤاد حسين أن العراق يدعم بقوة المباحثات بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني التركي، قائلا “نتطلع للتوصل إلى اتفاق بينهما والوصول إلى حلول ملموسة لتحقيق الأمن وبشكل يرضي الجميع”.
ويمثل هذا التصريح دعما عراقيا علنيا ومباشرا للقضية الأمنية التركية الحساسة، في تحول لافت يعكس الثقة المتبادلة والرغبة في العمل المشترك على الحدود والأمن الإقليمي.
ويعكس هذا التقارب في الملف الكردي فهما مشتركا بأن تحقيق الاستقرار في البلدين مرتبط ببعضه البعض، وأن التعاون الأمني بات شرطا لنجاح أي شراكة اقتصادية.
ويعد هذا التقارب الكبير والمتعدد الأوجه مدفوعا بالرغبة المشتركة في إنجاح مشروع “طريق التنمية” الاستراتيجي، الذي يطمح إلى ربط الخليج بآسيا وأوروبا عبر الأراضي العراقية والتركية.
ويرسخ هذا الاتفاق لمرحلة جديدة من الشراكة الشاملة بين البلدين، حيث قال فؤاد حسين “هناك 26 مذكرة تفاهم موقعة بين البلدين سيتم تحويلها إلى العمل المشترك في المجالات الطبية والنقل والتجارة والشباب والعدل والطاقة”.
ويؤكد هذا العدد من مذكرات التفاهم، التي تغطي قطاعات حيوية واسعة، أن الاتفاق حول المياه كان هو البوابة لتدشين حزمة شراكة استراتيجية أوسع يتم تفعيلها الآن.
وتأتي هذه التفاهمات في سياق الأهمية المتزايدة للعراق كشريك اقتصادي إقليمي، وحاجة تركيا لتعزيز نفوذها الاقتصادي في المنطقة. كما تتصل هذه المباحثات بالوضع الراهن في المنطقة، الذي ناقشه الوزيران، مما يربط المصالح الاقتصادية والأمنية للبلدين بالاستقرار الإقليمي الأوسع.

