تُعد قضية الميليشيات في العراق من أبرز الملفات الخلافية التي ألقت بظلالها السوداء على الحياة السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد، بل وحتى على الرياضة والثقافة والفن، فالعراق، الذي كان يُفترض أن يسير نحو بناء دولة مؤسسات بعد العام (2003) أصبح ساحةً مفتوحةً للسلاح المنفلت، حتى غدت الميليشيات هي الحاكم الحقيقي، لا القانون ولا الدولة؟ ظهور تنظيم داعش لم يكن سوى نتيجة طبيعية للفوضى التي سببتها هذه الجماعات، لكنه أيضاً تحول إلى ذريعة لبروزها وتوسعها، وما يزيد من مأساوية الوضع، أن الميليشيات نفسها ساهمت بشكل مباشر في خلق الظروف التي أدت إلى ظهور التنظيم الإرهابي، فالدولة الضعيفة، والطائفية السياسية، والتمييز، والفساد، كلها عوامل غذّتها هذه الجماعات وأدت إلى تسليم أكثر من ثلث الأراضي العراقية لداعش، في مشهد لن يُمحى من الذاكرة بسهولة، الوقائع التاريخية تشير إلى أن بعض الميليشيات كانت موجودة حتى قبل الغزو الأميركي عام ( 2003 ) فيما وُلدت أخرى من رحم الفوضى والانهيار الذي تبع إسقاط النظام السابق، وتتمتع هذه الجماعات بإمكانات مالية وبشرية ضخمة، أغلبها بدعم مباشر من دول الجوار، مما جعلها قوى موازية – بل ومتفوقة – على الدولة؟
– اليوم: يعيش العراقيون تحت تهديد يومي من هذه العصابات المسلحة، التي فرضت قوانينها بالقوة، وسيطرت على مفاصل الدولة، واستباحت المال العام، وأفسدت كل محاولة لإقامة نظام ديمقراطي حقيقي؟ لقد تحولت بعض الأحزاب إلى ميليشيات، وأصبحت القوى السياسية تتسابق لاستمالتها واستخدامها لتحقيق مكاسب انتخابية ومالية، بعيداً عن أي التزام وطني أو مبدئي؟
– الطائفية السياسية في العراق لا تنتج أحزاباً بالمعنى الحديث، بل عشائر سياسية تتبع الزعيم، لا الفكرة، تتحرك وفق المصالح الضيقة، وتعتمد على الولاء الأعمى بدلاً من الكفاءة والمعرفة، وتحولت الدولة إلى غنيمة بيد تحالفات طائفية عشائرية لا تعترف بالوطن كمفهوم جامع، بل تُقسمه إلى مناطق نفوذ وساحات صراع؟ في هذا المناخ، غابت الدولة كمفهوم، وحلت محلها سلطات غير رسمية: ميليشياوية أو عشائرية، تُمارس سلطات الحياة والموت، وتستمد قوتها من المال والسلاح لا من شرعية القانون؟ وتكرّست الطبقية الاقتصادية الجديدة بفضل تحالف المال مع المليشيا والسلطة، لتعود الإقطاعية من جديد بأسماء معاصرة، وشعارات كاذبة، لقد أصبح من الصعب على العراقيين أن يقبلوا بسلطة مركزية تُمثلهم جميعاً، في ظل سطوة الشرائع العشائرية غير المكتوبة، التي تُمجد العنف والانتقام وتُحبط كل مشروع وطني جامع. وبات الكرم والهيبة والخوف هي العناصر المنظمة للعلاقات الاجتماعية، لا القانون ولا العدالة؟ إن الصراع القائم اليوم في العراق، ليس بين الدولة واللا دولة فحسب، بل بين من يريد عراقاً وطنياً مدنياً، ومن يصرّ على إبقاء العراق رهينة للمليشيا والسلاح والولاء الخارجي.
وبهذا.. نستعين بالله، ونبشّر الصابرين المحتسبين، فما زال في العراق رجالٌ أحرار.. يؤمنون بالدولة.. ويقاتلون لأجلها وبه: نستعين.

