في لحظةٍ تتصاعد فيها حالة الاحتقان السياسي وتراجع القدرة على إدارة البوصلة السياسية في توجيه الأوضاع الداخلية العراقية، برزت مقابلة الرئيس مسعود بارزاني الأخيرة على قناة شمس مع الإعلامي إيلي ناكوزي كواحدة من أكثر الحوارات التي تناولت تطورات المشهد العراقي والكوردي على السواء؛ حيث كشف عن جوهر أفكاره حول رؤيته للحفاظ على الدولة، والدستور، وسط فوضى سياسية تتجاوز الأسس والمعايير الرشيدة لإدارة الأزمة العراقية. وهذه المعايير من خلال رؤيته التي تحدث من خلالها كرجل دولةٍ يحمل ذاكرة الحرب وسلاح السلم، لا كزعيم حزبٍ يبحث عن مكسب انتخابي، ولكنه أعاد ترتيب الأولويات الوطنية من جديد.
الدفاع عن الدستور: أوقات السلم والحرب
لم تكن الرؤية المتعلقة بالدفاع عن الدستور والتي تحدث عنها بارزاني مجرد توصيفٍ لحادثةٍ ماضية، بل تشير إلى شهادة على مرحلةٍ كُتبت فيها وثيقة العراق الجديد بالحبر والدمّ معًا. ويمكن القول إنه حين قال ذلك، أراد بارزاني التذكير بأن الدستور لم يكن منحة من المنتصرين، بل ثمرة تضحيات العراقيين جميعًا، والكورد في مقدّمتهم، الذين صمدوا في وجه الدكتاتورية والقصف الكيمياوي ليصنعوا عقدًا وطنيًا جديدًا. وقد كانت رسالته واضحة إن الدستور الذي وُلد في الحرب يجب ألا يُفرَّغ من معناه في السلم، وإن احترامه هو الضمانة الوحيدة لبقاء العراق دولةً لكل مكوّناته، لا ساحة لتنازع القوى السياسية والتدخلات الخارجية؛ حيث ظهر وكأنه يوجّه نداءً للضمير السياسي العراقي ضرورة أن يصبح الدستور شاهدًا على انهيار الدولة بدل أن يكون حارسها.
المحكمة الاتحادية: تباين القانون والسياسة
برزت رؤية بارزاني تجاه المشهد القانوني بصورة أكثر حدة فيما يتعلق بضرورة العمل على استقلالية القضاء، وهو ما ظهر في حديثه بأن المحكمة الاتحادية يتم الضغط عليها من جانب القوى السياسية؛ حيث جاءت هذه الرؤية ارتكازًا على وعيٍ بخطورة ما يحدث حين تتحول أعلى سلطة قضائية إلى أداةٍ بيد أي من الأطراف السياسية. فالدستور الذي عمل بارزاني على صياغته في ظروفٍ استثنائية لم يكن بحاجة إلى تعديلٍ بقدر حاجته إلى قضاءٍ نزيه يفسّره بعدالة.
وحين وصف المحكمة الاتحادية بأنها “غير دستورية في بنيتها”، كان يشير إلى أن العراق بحاجة إلى محكمة دستورية حقيقية تُمثل التوازن الوطني بين المكوّنات، وتستمد شرعيتها من القانون لا من التوافقات الطائفية. ومن ثم لم يهاجم القضاء، بل دافع عنه، وطالب بإعادته إلى مكانه الطبيعي كحكمٍ لا خصم، وكركيزةٍ للثقة المفقودة بين بغداد وأربيل. وبالتالي فإن هذا الموقف لم يكن دفاعًا عن الإقليم فقط، بل عن فكرة الدولة نفسها.
كوردستان العراق: نموذج الدولة الممكنة
برزت رؤية بارزاني حين انتقل الحوار إلى تجربة إقليم كوردستان، كان لافتًا أن بارزاني لم يتحدث بلغة الفخر الذاتي، بل بلغة الإدارة الرشيدة؛ حيث أشار إلى أن كوردستان تتمتع بإرادة وتخطيط وتنفيذ دقيق، بينما في بغداد هناك فوضى ومشاريع متعثرة . بهذه الجملة القصيرة، لخّص مأساة العراق بأنها ليست أزمة مال، بل أزمة إرادة.
وأن تجربة كوردستان، كما عرضها، ليست دولة داخل الدولة، بل نموذج الدولة الممكنة. وأن الإقليم بعد موجه من الحروب، عمل على بنى مؤسسات مدنية، وشبكات خدمات، واستقرارًا أمنيًا واقتصاديًا. وبين سطور حديثه، يمكن قراءة رسالة إلى بغداد بأن ما تحقق هنا يمكن أن يتحقق هناك، بشرط أن تُدار الدولة بالعقل لا بالمحاصصة.
بين الاحترام والعداء: العلاقة مع الإطار التنسيقي
برزت أحد أكثر النقاط حساسية في المقابلة حين قال الرئيس بارزاني أن هناك أطراف نحترمها داخل الإطار التنسيقي، وأطراف أخرى تتخذ موقفًا عدائيًا وحاولت إنهاء الإقليم، ولم تشير هذه الفكرة إلى مجرد التعبير عن نقدٍ سياسي، بل توصيفًا دقيقًا لحالة الانقسام التي تعيشها العلاقة بين أربيل وبغداد. فالإقليم الذي ساهم في ترسيخ الفيدرالية كخيارٍ وطني، وجد نفسه محاصرًا أحيانًا بسياسات لا ترى في التنوع قوة، بل تهديدًا. ومع ذلك، عمل بارزاني على التمييز بين الخلاف والعداء ضمن إطار السياسة والمسئولية، وبمعنى آخر فقد أشار إلى أن الاحترام لا يعني الاتفاق، وأن الخلاف لا يجب أن يتحول إلى خصومة وطنية. ولعل هذا الخطاب المتوازن أعاد إلى الواجهة صورة الزعيم الذي لا يتحدث باسم الكورد فقط، بل باسم العراق الذي يبحث عن توازنٍ ضائع.
محددات العلاقة: الشراكة لا التبعية
فيما يتعلق بمحور الانتخابات والعلاقة مع بغداد، لخص بارزاني فلسفته السياسية في ثلاث كلمات: الشراكة، التوازن، التوافق، وإذا كان هناك من يرفض الفيدرالية، فنحن أيضًا نرفض الدكتاتورية، وبهذه العبارة، رسم حدود العلاقة بين الإقليم والمركز، مؤكّدًا أن الشراكة لا تعني التبعية، وأن التوازن لا يعني المحاصصة، وأن التوافق ليس ضعفًا، بل شرطًا لتحقيق الاستقرار؛ حيث يجب إدارة الدولة بالاتفاق، لا بالإقصاء، وبالاحترام المتبادل لا بالابتزاز السياسي، وهنا بدا واضحًا أنه يتحدث بعينٍ على الماضي وأخرى على المستقبل، مدافعًا عن وحدة العراق عبر احترام كوردستان، لا على حسابها.
في الختام: وجه بارزاني مجموعة من الرسائل من أهمها التفكير في مستقبل العراق والعمل لإصلاح الأوضاع، كما حث الكورد على التصويت لمن يستطيع تقديم الخدمات وحماية وضمان مستقبلهم، ووفق هذا التصور قدّم بارزاني رؤية وطنية شاملة لا تقوم على الانقسام، بل على المسئولية المشتركة، وأن مصير كوردستان لا ينفصل عن مصير العراق، لكنه في الوقت ذاته لا يمكن أن يكون رهينة فشل الآخرين.
لقد كانت مقابلة الرئيس مسعود بارزاني على شاشة قناة شمس أكثر من حوار سياسي، بل كانت وثيقة فكرية تعبّر عن رؤية شاملة لمعالجة تدهور الأوضاع؛ حيث أثبت من خلال هذه الرؤية أن السياسة ليست صراعًا على النفوذ، بل مسئولية تجاه الإنسان والوطن، وأن الدستور الذي وُضع تحت القصف ما زال يستحق أن يكون بوصلة الدولة في مواجهة الأزمات. كما أن رسائله لم تكن موجهة إلى بغداد وحدها، بل إلى كل من يرى في الفيدرالية خطرًا لا فرصة، وإلى من يعتقد أن كوردستان مكسب سياسي لا مشروع وطني. وبهذه الواقعية أعاد بارزاني تعريف العلاقة بين المركز والإقليم على قاعدة الاحترام المتبادل لا الخضوع، مؤكدًا أن الشراكة الحقيقية لا تقوم على الخوف، بل على الثقة في الدستور والعدالة والمستقبل المشترك.
هكذا تحدث بارزاني في زمنٍ يحتاج فيه العراق إلى صوتٍ يعيد ترتيب المعاني، فالدفاع عن الدستور ليس موقفًا كورديًا فحسب، بل هو دفاع عن فكرة الدولة نفسها باعتبارها دولة تُبنى بالقانون، وتُصان بالإرادة، وتُحترم حين يكون في قيادتها من لا يساوم على الثوابت.

