لم تعد إعادة إحياء مسار تصدير النفط العراقي عبر الأراضي السورية مجرد مشروع اقتصادي مؤجل عاد إلى الواجهة، بل أصبحت جزءاً من مراجعة أوسع للإستراتيجية النفطية العراقية، فرضتها التحولات الأمنية التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الأخيرة. فقد كشفت الاضطرابات التي رافقت المواجهة الأميركية – الإسرائيلية مع إيران، وما رافقها من تهديدات للملاحة في مضيق هرمز، حجم المخاطر التي ينطوي عليها اعتماد العراق شبه الكامل على منفذ تصدير واحد، الأمر الذي دفع بغداد إلى تسريع البحث عن بدائل أكثر أمناً ومرونة.
ويمثل هذا التحول تغيراً في نظرة صانع القرار العراقي إلى قطاع النفط، الذي ظل لعقود يُدار بمنطق تعظيم الإنتاج والعائدات، بينما باتت الأولوية اليوم تتركز على ضمان استمرار الصادرات مهما كانت طبيعة الأزمات الإقليمية. فالعراق، الذي يعتمد على النفط لتمويل معظم إيرادات موازنته، أصبح يدرك أن أي اضطراب في طرق التصدير ينعكس مباشرة على الاستقرار المالي والاقتصادي للدولة.
وأظهرت أزمة مضيق هرمز الأخيرة أن أمن الطاقة لم يعد ملفا اقتصاديا منفصلا عن التطورات العسكرية والسياسية، بل تحول إلى أحد أهم عناصر الأمن القومي. فمجرد التهديد بإغلاق المضيق، أو تعطل الملاحة فيه، كان كفيلاً بإرباك أسواق النفط العالمية ووضع الدول الخليجية والعراق أمام تحديات غير مسبوقة تتعلق باستمرار تدفق الصادرات.
ويعتمد العراق حالياً على موانئ البصرة الجنوبية لتصدير النسبة الأكبر من إنتاجه النفطي عبر الخليج ومضيق هرمز، وهو ما يجعل صادراته شديدة التأثر بأي توتر أمني في المنطقة. ورغم وجود منفذ عبر ميناء جيهان التركي، فإن طاقته الحالية لا تكفي لاستيعاب الجزء الأكبر من الصادرات العراقية، الأمر الذي أبقى بغداد رهينة للمعادلة الأمنية في الخليج.
وفي ضوء هذه المعطيات شرعت وزارة النفط العراقية في العمل على مسارين متوازيين؛ الأول يتمثل في رفع كميات النفط المصدرة عبر ميناء جيهان التركي، والثاني إعادة تفعيل المسار السوري عبر ميناء بانياس، بما يمنح بغداد خيارات إضافية لتوزيع صادراتها وتقليل مخاطر الاعتماد على منفذ واحد.
ويعكس هذا التوجه انتقال السياسة النفطية العراقية من إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى بناء منظومة تصدير أكثر قدرة على امتصاص الصدمات الجيوسياسية. فتنويع منافذ التصدير لم يعد خيارا اقتصاديا، بل أصبح ضرورة إستراتيجية تفرضها البيئة الإقليمية المتقلبة.
وبحسب خبراء في قطاع الطاقة، تستعد وزارة النفط العراقية لتصدير نحو 50 ألف برميل يوميا من نفط البصرة إلى ميناء بانياس السوري بواسطة الصهاريج، على أن يعاد تصديره لاحقاً إلى الأسواق العالمية. ورغم أن هذه الكميات تمثل نسبة محدودة من إجمالي صادرات العراق التي تتجاوز عدة ملايين من البراميل يوميا، فإن أهميتها تكمن في كونها توفر منفذا احتياطيا يمكن اللجوء إليه خلال فترات الاضطراب.
كما أن بغداد سبق أن استخدمت ميناء بانياس خلال الأشهر الماضية لتصدير شحنات من النفط الأسود، وهو ما يشير إلى وجود قنوات تعاون قائمة مع دمشق يمكن البناء عليها لتوسيع التعاون في قطاع الطاقة مستقبلاً.
ويرى مختصون أن إعادة تنشيط المسار السوري لا تستهدف منافسة الموانئ الجنوبية، وإنما توفير شبكة تصدير أكثر تنوعاً تسمح للحكومة العراقية بإعادة توزيع الشحنات وفق المتغيرات الأمنية والسياسية، وهو نموذج باتت تتبناه الكثير من الدول المنتجة للطاقة في ظل تصاعد المخاطر الجيوسياسية.
غير أن الاعتماد على الصهاريج يبقى، وفق الخبراء، حلاً مؤقتا لا يمكن أن يتحول إلى بديل دائم، نظرا لارتفاع تكاليف النقل البري، ومحدودية الكميات التي يمكن نقلها، فضلاً عن التحديات الأمنية واللوجستية التي تواجه حركة الشاحنات على الطرق البرية بين العراق وسوريا.
ومن هنا تتجه الأنظار إلى مشروع إعادة تأهيل خط الأنابيب التاريخي بين البلدين أو إنشاء خط جديد أكثر حداثة، باعتباره الخيار الأكثر جدوى على المدى البعيد. فخطوط الأنابيب توفر طاقة تصديرية أكبر، وتخفض كلفة النقل، وتمنح العراق استقراراً أعلى في تدفق صادراته مقارنة بالحلول البرية المؤقتة.
وتبرز أهمية هذا الخيار في ضوء الدروس التي أفرزتها أزمة هرمز، والتي أظهرت أن الاعتماد على منفذ واحد قد يتحول إلى نقطة ضعف إستراتيجية في أوقات التوتر. فقد أدت الاضطرابات التي شهدها المضيق إلى تعطل جزء من عمليات الشحن في المنطقة، وهو ما دفع بغداد إلى مراجعة خططها الخاصة بأمن الصادرات وتسريع العمل على منافذ بديلة.
ولا يقتصر المشروع على أبعاده النفطية فحسب، بل يحمل أيضا أبعادا اقتصادية وسياسية أوسع. فمن الناحية الاقتصادية، يتيح للعراق التخلص من جزء من النفط الأسود الذي يسبب اختناقات داخل المصافي، كما يوفر موردا إضافيا للخزينة العامة، حتى وإن كانت العائدات أقل مقارنة بالصادرات عبر الموانئ الجنوبية.
أما على المستوى الإقليمي فإن تنشيط التعاون النفطي مع سوريا قد يشكل مدخلاً لتوسيع الشراكة الاقتصادية بين البلدين في مجالات النقل والطاقة والخدمات اللوجستية، وربما يمهد مستقبلاً لإطلاق مشاريع بنية تحتية مشتركة تعيد ربط العراق بالساحل الشرقي للبحر المتوسط.
لكن نجاح هذه الرؤية سيظل مرهوناً بعدة عوامل، في مقدمتها تحسين الوضع الأمني على امتداد الطرق البرية، وتوفير استثمارات كبيرة لإعادة تأهيل البنية التحتية، فضلاً عن تجاوز العقبات الفنية والمالية التي تواجه مشاريع خطوط الأنابيب، إضافة إلى التعقيدات السياسية المرتبطة بالعقوبات المفروضة على سوريا، والتي قد تؤثر في آليات التمويل والتأمين والشحن.
وفي النهاية، تكشف التحركات العراقية أن بغداد بدأت تعيد رسم خريطة صادراتها النفطية على أسس جديدة، عنوانها تنويع المنافذ وتقليل الاعتماد على مضيق هرمز. فالدرس الذي فرضته الأزمة الأخيرة يتمثل في أن أمن الطاقة لا يتحقق بزيادة الإنتاج وحدها، وإنما ببناء شبكة تصدير مرنة قادرة على الصمود أمام التقلبات الجيوسياسية. وإذا نجح العراق في استكمال هذه الإستراتيجية عبر تطوير ميناء جيهان وإحياء المسار السوري وإعادة إنشاء خطوط الأنابيب، فإنه سيكون أكثر قدرة على حماية صادراته وتعزيز موقعه كأحد أكبر موردي النفط للأسواق العالمية، بعيداً عن رهانات المنفذ الواحد التي أثبتت الأحداث أنها لم تعد خيارا آمنا.

