دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة أكثر خطورة مع تبادل ضربات عسكرية واسعة خلال الساعات الماضية، في تطور يعكس انتقال الصراع من سياسة الردع المتبادل إلى مواجهة أكثر اتساعاً تمتد آثارها إلى دول الخليج وممرات الملاحة الدولية، وسط مخاوف متزايدة من أن يصبح احتواء الأزمة أكثر صعوبة مع كل جولة جديدة من التصعيد.
وشنت الولايات المتحدة خلال الليلة الفاصلة بين الأحد والاثنين غارات استهدفت مواقع داخل إيران، بعدما تعرضت سفينة حاويات لهجوم في مضيق هرمز أدى إلى اندلاع حريق على متنها وفقدان أحد أفراد طاقمها.
وفي المقابل، ردت طهران باستهداف مواقع أميركية في عدد من الدول الخليجية، في مؤشر على أن الردود المتبادلة باتت تشمل نطاقاً جغرافياً أوسع من السابق.
وأعلنت القيادة المركزية الأميركية “سنتكوم” بدء تنفيذ ضربات إضافية ضد أهداف إيرانية، مؤكدة أن العمليات تهدف إلى تقويض قدرة طهران على تهديد السفن التجارية التي تعبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لتجارة النفط العالمية.
ويعكس هذا الإعلان تمسك واشنطن بخيار الضغط العسكري المباشر، مع ربط عملياتها بأمن الملاحة الدولية، وهو ما يمنح تحركاتها بعداً يتجاوز الرد على حادثة بعينها إلى محاولة فرض معادلة ردع جديدة في الخليج.
وفي المقابل، أقرت وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية بتعرض عدة مناطق داخل البلاد لضربات أميركية جديدة، أسفرت وفق حصيلة أولية عن مقتل شخص واحد على الأقل، من دون الكشف عن طبيعة المواقع المستهدفة أو حجم الخسائر.
ويشير هذا التكتم إلى حساسية المرحلة بالنسبة لطهران، التي تحاول الموازنة بين إظهار قدرتها على الرد وعدم تقديم تفاصيل قد تكشف حجم الأضرار التي لحقت بمنشآتها.
ولم يقتصر التصعيد على الأراضي الإيرانية، إذ امتدت الهجمات الإيرانية إلى مواقع أميركية في البحرين والكويت وقطر، إضافة إلى الأردن وسلطنة عُمان، بينما دوت صفارات الإنذار في المنامة التي تستضيف مقر الأسطول الخامس للبحرية الأميركية.
ويؤكد هذا التطور أن ساحات المواجهة لم تعد محصورة بين الطرفين الرئيسيين، بل باتت تشمل دولاً تستضيف قواعد أو منشآت عسكرية أميركية، بما يزيد من تعقيد المشهد الأمني في المنطقة.
ويأتي هذا التصعيد في توقيت بالغ الحساسية، إذ تقترب الولايات المتحدة وإيران من منتصف مهلة الستين يوماً التي نص عليها الاتفاق المؤقت بينهما، والذي كان يُفترض أن يهيئ الأرضية لإطلاق مفاوضات أوسع تنهي الحرب المستمرة بين الطرفين. إلا أن الوقائع الميدانية تسير في اتجاه معاكس، حيث تحولت المهلة إلى فترة لتبادل الضربات بدلاً من بناء الثقة أو استئناف الحوار.
ويبدو أن الاتفاق المؤقت يفقد تدريجياً قدرته على لعب دور جسر نحو التسوية، بعدما أصبحت العمليات العسكرية هي العنصر الأكثر حضوراً في العلاقة بين الطرفين. فكل هجوم جديد يضعف فرص العودة إلى طاولة التفاوض، ويعزز نفوذ الأصوات التي ترى أن ميزان القوة لا يمكن تغييره إلا عبر التصعيد العسكري.
ويرى مراقبون أن التطورات الأخيرة تكشف عن تغير واضح في قواعد الاشتباك. ففي المراحل السابقة، كانت الضربات غالباً ما تحمل طابعاً محدوداً أو تندرج ضمن رسائل ردع متبادلة، أما اليوم فقد أصبحت تستهدف منشآت ومواقع استراتيجية، مع توسع رقعة العمليات لتشمل أكثر من دولة، بما يعكس استعداد الطرفين لتحمل مخاطر أكبر سعياً إلى فرض معادلات جديدة على الأرض.
ويبرز مضيق هرمز مجدداً بوصفه نقطة الارتكاز الرئيسية في هذه المواجهة. فالممر البحري الذي يعبر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية لم يعد مجرد ساحة للتوتر، بل تحول إلى عنصر أساسي في حسابات الردع بين واشنطن وطهران.
وأي اضطراب طويل الأمد في حركة الملاحة قد ينعكس على أسواق الطاقة العالمية، ويرفع تكاليف النقل والتأمين، ويزيد الضغوط على الاقتصاد الدولي.
كما أن اتساع دائرة الهجمات يضع دول الخليج أمام تحديات أمنية متزايدة، إذ تجد نفسها في قلب مواجهة لا تبدو طرفاً مباشراً فيها، لكنها تتحمل جانباً كبيراً من تداعياتها بحكم استضافتها قواعد عسكرية أميركية وموقعها الجغرافي القريب من بؤر التوتر.
ولذلك تتابع العواصم الخليجية التطورات بحذر، مع تفضيلها استمرار قنوات التهدئة خشية انزلاق المنطقة إلى حرب يصعب احتواء آثارها.
وفي الوقت نفسه، تتزايد المخاوف الدولية من انهيار قنوات الاتصال غير المباشرة بين واشنطن وطهران، خصوصاً إذا استمرت الضربات بالقرب من المنشآت العسكرية الحساسة أو استهدفت حركة الملاحة والطاقة بصورة أوسع. فكل تصعيد جديد يرفع احتمالات سوء التقدير، ويزيد خطر انتقال المواجهة من عمليات محسوبة إلى صدام مفتوح.
ويشير محللون إلى أن الطرفين لا يزالان يحاولان الحفاظ على هامش يسمح بتجنب حرب شاملة، إلا أن كثافة الضربات واتساع نطاقها يجعلان هذا الهامش يضيق تدريجياً. فكل رد يولد رداً مضاداً، ما يخلق حلقة تصعيد متواصلة يصعب كسرها من دون تدخل سياسي أو دبلوماسي قادر على إعادة ضبط إيقاع الأزمة.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو المنطقة أمام مرحلة دقيقة تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الاعتبارات السياسية والاقتصادية. فبينما تسعى واشنطن إلى تعزيز الردع وحماية الملاحة الدولية، تحاول طهران إثبات قدرتها على الرد وعدم الرضوخ للضغوط، لتبقى النتيجة حتى الآن مزيداً من التصعيد واتساعاً في رقعة المواجهة، في وقت تتراجع فيه فرص التسوية لصالح منطق القوة، وتزداد المخاوف من أن تتحول الضربات المتبادلة إلى مقدمة لصراع إقليمي أوسع تتجاوز تداعياته حدود الشرق الأوسط.

