تسود العراق حالة من القلق والامتعاض جرّاء الأزمة المالية المتفاقمة والناتجة عن تعطّل تصدير النفط السلعة الأساسية التي يعتمد عليها البلد بشكل أساسي في تمويل موازنته وتوفير حاجيات سكانه بما في ذلك الحاجيات الأساسية مثل الغذاء والدواء، فضلا عن رواتب مئات الآلاف من العمال والموظفين.
ومثّلت تصريحات أدلى بها وزير الصحّة في حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي وكشف فيها عن تسلّم وزارته جزءا ضئيلا جدّا من مخصصاتها المالية صفارة إنذار مدوية بشأن مدى عمق الأزمة إلى درجة مساسها بقطاعات حساسة كالغذاء والدواء.
لكنّ التصريحات ذاتها أطلقت نقاشا سياسيا مداره العلاقة بين العراق وإيران والتي يفترض أنّها علاقة “تحالف” تحكمها الارتباطات الأيديولوجية والمذهبية لطيف واسع من السياسيين العراقيين الممسكين بزمام السلطة في البلاد.
ودار النقاش حول سؤال جوهري عن جدوى ذلك “التحالف” وتلك الارتباطات مادامت إيران لا تمنح “حليفها” العراق استثناء لتصدير نفطه الذي يمثّل شريان حياة لشعبه ووقودا لدورته الاقتصادية.
وفي هذا السياق تحديدا دعا السياسي العراقي ظافر العاني الأطراف العراقية المقربة من النظام في طهران للحصول منها على استثناء لمرور شحنات النفط الخام العراقي عبر مضيق هرمز.
وجاء هذا تزامنا مع التصريحات التي ادلى بها وزير الصحة العراقي حول العجز الحكومي المالي في توفير الأدوية والمستلزمات الأساسية والمرتبات الشهرية للعاملين بالقطاع الصحي.
ووصف العاني في تدوينة على منصّة إكس تصريحات الوزير بـ”الصرخة المدوية لوزير الصحة التي تطرح سؤالا مشروعا: هل يستطيع الولائيون أن يطلبوا من إيران السماح للعراق بتصدير نفطه عبر مضيق هرمز، حتى يتمكن العراقيون من تأمين رواتبهم ودوائهم؟”.
وقالت وكالة شفق نيوز الإخبارية في تقرير لها بشأن الموضوع إنّ الموسوي أقّر بأن الحكومة تواجه أزمة سيولة جعلت أولويتها تأمين الرواتب، فيما أكد أن الشركة العامة لتسويق الأدوية والمستلزمات الطبية “كيماديا” لم تتسلم سوى خمسة عشر في المئة من موازنتها، ما أدى إلى إفلاسها وتعطل التعاقدات الجديدة وتهديد إمدادات الأدوية.
وعقب تصريحات وزير الصحة أدلى وزير المالية فالح الساري بتصريح آخر صادم أكد فيه وجود عجز مالي حقيقي يعرقل استكمال صرف رواتب الموظفين والمتقاعدين ومستفيدي الرعاية الاجتماعية، مشيرا إلى أن إجمالي الالتزامات الشهرية للرواتب يبلغ نحو 7 تريليونات و800 مليار دينار.
وكان مرصد “إيكو عراق” المختص بشؤون الاقتصاد قد أعلن في وقت سابق من الشهر الجاري أن العراق استخرج نحو 440.3 مليون برميل من النفط خلال النصف الأول من عام 2026، فيما بلغ فاقد الإنتاج نحو 302.8 مليون برميل مقارنة بالمعدل الطبيعي، نتيجة تداعيات التوترات الأمنية والعسكرية في المنطقة.
وذكر المرصد في تقرير له أن “إنتاج النفط خلال شهري يناير وفبراير كان عند مستوياته الطبيعية، بمتوسط تجاوز 4.1 مليون برميل يوميا، قبل أن يتراجع بشكل حاد خلال الأشهر الأربعة التالية بسبب الحرب والتداعيات التي أثرت على عمليات التصدير وإنتاج النفط”.
وأوضح أن “متوسط الإنتاج اليومي بلغ 4.097 مليون برميل في كانون الثاني، و4.140 مليون برميل في شباط، ثم انخفض إلى 1.906 مليون برميل في مارس، و1.633 مليون برميل في أفريل، وبلغ أدنى مستوياته في أيار عند 1.406 مليون برميل يوميا، قبل أن يرتفع نسبيا في يونيو إلى 1.525 مليون برميل يوميا”.
وبحسب المرصد، فإن إجمالي فاقد الإنتاج خلال الأشهر الأربعة الممتدة من مارس إلى يونيو بلغ نحو 302.8 مليون برميل، مقارنة بمعدل إنتاج طبيعي يبلغ 4.1 مليون برميل يوميا.
ودعا المرصد إلى إيجاد حلول حقيقية لحماية منشآت إنتاج النفط ومسارات التصدير، بما في ذلك تطوير منافذ تصدير بديلة، مثل مشروع طريق الشام، لضمان استقرار إنتاج النفط وتقليل تأثير الأزمات الجيوسياسية على الاقتصاد العراقي.
وفي السياق ذاته، حذّر محللون في قطاعي الطاقة والجيوسياسة من أن العراق سيكون من أكثر الدول تأثرا إذا استمر تعطل الملاحة في مضيق هرمز، في ظل بقاء تدفقات النفط من الخليج عند نحو 50 في المئة من مستويات ما قبل الحرب، ما يعادل انخفاضا لا يقل عن 10 ملايين برميل يوميا من الإمدادات الإقليمية.

