أجرت قناة الجزيرة الفضائية عبر برنامجها (المقابلة) الذي يقدمه الإعلامي علي الظفيري، مقابلة مع رئيس حكومة إقليم كوردستان مسرور بارزاني، تطرق فيها إلى جملة من الملفات، ابتداءً من نشأته وحياته الشخصية، مروراً بالتحديات السياسية والأمنية والاقتصادية وموقف الإقليم من الصراعات في المنطقة، وصولاً إلى علاقات أربيل مع بغداد ودول الجوار، ورؤيته الإصلاحية لمستقبل كوردستان. وفيما يلي نص المقابلة:
المذيع: سعداء بوجودك في (المقابلة)، وبإتاحتك لنا هذه الفرصة للحديث عن إقليم كوردستان والتحديات الكبرى التي تحيط بالإقليم.
رئيس الحكومة: شكراً لكم.
المذيع: أنت ولدتَ في كوردستان، لكنك نشأت خارجها؟
رئيس الحكومة: نعم، أنا ولدتُ في كوردستان عام 1969، في منطقة جبلية اسمها (ديلمان) بمحافظة أربيل.
المذيع: ثم خرجتَ إلى إيران؟
رئيس الحكومة: نعم، في سنة 1975.
المذيع: كم عشتَ في إيران؟
رئيس الحكومة: تقريباً حتى عام 1991.
المذيع: فترة طويلة.
رئيس الحكومة: نعم.
المذيع: إذن تتقن الفارسية؟
رئيس الحكومة: نعم، أجيدُ الفارسية.
المذيع: عشتَ في طهران؟
رئيس الحكومة: كلا، في البداية كنا في كرج، ثم انتقلنا لاحقاً إلى أورمية، وعشنا في منطقة كوردية اسمها (سليفانا).
المذيع: ثم انتقلت إلى الخارج للدراسة؟
رئيس الحكومة: نعم، بعد الانتفاضة عدنا إلى العراق، إلى كوردستان العراق، ثم غادرتُ إلى أمريكا وعدتُ في عام 1998.
المذيع: هذا الجيل الآن هو الجيل الثالث الذي يحكم إقليم كوردستان، هل هناك اختلافات كبيرة؟
رئيس الحكومة: نعم، الاختلاف بين الحقبة الحالية والحقب السابقة.. بالتأكيد يوجد.
المذيع: الجيل الأول كان جيل الحرب والصراعات، والآن جيل البناء، هل نستطيع أن نقول ذلك؟
رئيس الحكومة: نحاول ذلك.
المذيع: هل تشعرون أن الإقليم بدأ يتنفس الصعداء قليلاً من حيث الاستقرار؟
رئيس الحكومة: بالتأكيد. الوضع أفضل، لكن ثمة مشاكل كما ترى.
المذيع: يقولون إنه لا صديق للأكراد سوى الجبال..
رئيس الحكومة: إن شاء الله، هناك أصدقاء.. نحن أصدقاء لكل الناس وأصدقاء لكل الشعوب.
المذيع: وهل هم أصدقاء لكم؟
رئيس الحكومة: هذه مسألة أخرى. لا أستطيع البت في ذلك، إن شاء الله يكونون (أصدقاء لنا).
المذيع: واحدة من التحديات، تحديات الأمة الكوردية، أنها تكاد تكون الأمة الوحيدة في العالم التي ليس لها وطن قومي مستقل. نحن نتحدث عن 50 مليوناً، متوزعين بين الدول لا سيّما تركيا وإيران.
رئيس الحكومة: لا يوجد إحصاء دقيق، لكن من الممكن أن يكونوا 50 مليوناً، وهناك أعداد في أوروبا وفي مناطق أخرى.
المذيع: الآن إقليم كوردستان يعبر عن الهوية الكوردية.. سعيدون بوجودك السيد رئيس الوزراء، هناك ملفات سياسية كثيرة تتعلق بإقليم كوردستان، بالحرب الدائرة، وتتعلق بعلاقاتكم الداخلية وتتعلق بالعلاقات الخارجية نود أن نطرحها معكم.. حياكم الله.
رئيس الحكومة: شكراً جزيلاً.
المذيع: ملف الحرب الإيرانية هو الملف الأكثر سخونة اليوم. كيف ترون هذه الحرب وما وصلت إليه اليوم ومآلاتها؟ ما موقف حكومة كوردستان من الحرب؟
رئيس الحكومة: كان موقفنا واضحاً منذ اليوم الأول: نحن لا نريد أن نكون طرفاً في أي صراع أو حرب في المنطقة. بالتأكيد لم نكن من بدأ هذه الحرب، وكل ما نريده هو حماية إقليم كوردستان والحفاظ عليه بعيداً عن أي صراع. كما نفضّل الحلول السلمية لأي مشكلة. ونؤمن بأن أي حرب ستنتهي في نهاية المطاف باتفاقٍ سلمي، ولكن بعد استنزاف الكثير من الوقت أو الموارد، وإزهاق أرواحٍ كثيرة، لنصل في النهاية إلى اتفاقٍ سلمي. لذلك نفضّل أن نرى تسويةً سلمية تُراعى فيها مصالح جميع الأطراف وتحظى باحترامها، وكذلك.. فيما يتعلق بإقليم كوردستان، فإننا نأمل أن تحترم جميع الأطراف سيادة أراضي العراق وإقليم كوردستان.
المذيع: هل كانت هناك محاولات برأيك لجر إقليم كوردستان ليكون جزءاً من هذه الحرب، ليشارك بهذه الحرب أو يكون جزءاً منها بشكل أو بآخر؟
رئيس الحكومة: ربما كانت توجد محاولات، لكن موقفنا كان واضحاً منذ اليوم الأول: لا نريد أن نُستدرج إلى حرب لا نريد أن نكون جزءاً منها.
المذيع: ما هي المحاولات التي كانت، يعني، لدفعكم للمشاركة من قبل الطرف الأمريكي؟
رئيس الحكومة: لا، لم تكن توجد أي ضغوط؛ ودعني أكون واضحاً تماماً. لم يمارِس أي طرف ضغوطاً علينا لنكون جزءاً من أي حرب. بطبيعة الحال، لدينا مصالحنا الوطنية، وهي تأتي في المقام الأول قبل كل شيء. نحن نحترم علاقاتنا مع أصدقائنا، لكننا لا نريد أن نكون طرفاً في حربٍ جديدة.
المذيع: كرئيس لحكومة الإقليم السيد مسرور بارزاني، كيف تقيم نتائج الحرب حتى اللحظة؟
رئيس الحكومة: إنه وضعٌ بالغ الصعوبة. كما تعلمون، فإن المنطقة تشهد حالةً من عدم الاستقرار، وقد انعكس ذلك سلباً على الاقتصاد، ليس على مستوى المنطقة فحسب، بل على مستوى العالم أيضاً، كما تعيش المنطقة حالة من انعدام اليقين، إذ لا نعرف كيف ستكون نهاية هذه الحرب. بالتالي فإن القلق يسود هنا في إقليم كوردستان، كما يسود في أماكن أخرى كثيرة. نأمل جميعاً أن تنتهي هذه الحرب في أقرب وقت ممكن.
المذيع: يعني أنتم تأملون أن تكونوا خارج الحرب، لكن تموضعكم وكأنه (هناك من) يجبركم أو يقحمكم في هذه الحرب. من ناحية، هناك فصائل عراقية غير حكومية تستهدف الإقليم، وتستهدف مناطق معينة فيه. إيران تستهدف أيضاً مناطق في الإقليم. وهناك أيضاً أحزاب معارضة كوردية إيرانية تقوم بدور تجاه إيران، وبالتالي هناك ردود عليها. كأن الوضع لا يسمح لكم بالابتعاد عن هذه الحرب؟
رئيس الحكومة: فيما يتعلق بالمعارضة الموجودة في إقليم كوردستان، فهي موجودة هنا من قبل عام 1991، بل كانت موجودة حتى في الفترة السابقة، باعتبارهم لاجئين قدموا إلى العراق. لذلك فنحن ورثنا هذه المشكلة ولم نتسبب في نشأتها. وكثير من هؤلاء لديهم عائلات، كما أن أعداداً كبيرة منهم موزعة في أنحاء مختلفة من المنطقة. ومع ذلك، بذلنا كل ما في وسعنا لضمان التزام الجميع بالسياسة الرسمية لإقليمنا وحكومتنا، وألا يكونوا طرفاً في أي مشكلة، وألا يشكلوا أي تهديد لأمن أيٍّ من جيراننا. أما فيما يتعلق باستهداف إقليم كوردستان، فمن المؤسف أن ذلك حدث بالفعل، فقد تعرض الإقليم حتى الآن لأكثر من ألف هجوم بالصواريخ والطائرات المسيّرة، سواء بشكل مباشر من إيران أو من داخل العراق على يد بعض الميليشيات. وللأسف، نعتقد أن هذه كلها هجمات غير مُبرَّرة ضد كوردستان. وللأسف، تكبدنا أيضاً خسائر بشرية، وفقدنا عدداً من أبنائنا. كما تعرضت أجزاء كبيرة من بنيتنا التحتية لأضرار جسيمة. وبالطبع، أدنّا هذه الهجمات على إقليم كوردستان، وما زلنا نواصل إدانتها، لأن الإقليم لا ينوي أن يكون طرفاً في هذا الصراع، ولا أن يُنظر إليه باعتباره يشكل تهديداً لأمن أي طرف.
المذيع: ما هي الأسباب المعلنة لاستهداف الإقليم بهذا العدد الكبير من الهجمات، أكثر من 1000 هجمة؟
رئيس الحكومة: حسناً، لقد كانوا واضحين تماماً بشأن الأسباب. أحد هذه الأسباب هو اعتقادهم أن إقليم كوردستان، شأنه شأن بقية أنحاء العراق، يستضيف قوات التحالف، وهي قوات جاءت إلى العراق بدعوةٍ من الحكومة العراقية، وكانت مهمتها محاربة تنظيم داعش والإرهاب، ولذلك استمر وجودها. وكما نعلم جميعاً، فإن هذه المهمة ستنتهي بحلول نهاية شهر أيلول، وعندها ستغادر تلك القوات. إذاً، كان وجود قوات التحالف أحد الأسباب التي استندوا إليها، وهو ما أعتقد أنه كان قراراً سيئاً للغاية من قِبل كل من ينظر إلى قوات التحالف هذه، التي جاءت لمساعدة الشعب العراقي والتخلص من الإرهاب، باعتبارها مشكلة، ثم يستهدفونها باعتبارها ذريعة. أما استهداف إقليم كوردستان بحجة وجود تلك القوات، فهو أمر غير مقبول ولا يمكن تبريره، مهما كانت المبررات التي تُطرح. وبالطبع، سمعنا أيضاً أن وجود المعارضة الكوردية في إقليم كوردستان يُعد، في نظر بعضهم، سبباً آخر لشن هجماتهم علينا. لكن، للأسف، لم تقتصر هذه الهجمات على مناطق محددة، بل طالت أنحاءً متفرقة من الإقليم بأكمله، وقد أسفرت عن سقوط ضحايا، حتى إن مدنيينا دفعوا الثمن الأغلى، كما كان لها أثر بالغ في اقتصاد الإقليم. لكن، كما قلت، فإن إقليم كوردستان ليس طرفاً في هذه الحرب، وقد بذلنا كل ما في وسعنا لضمان ألا يشكل الإقليم أي تهديد لأمن أي طرف، سواء كانوا أطرافاً في الصراع أو قوى إقليمية أو دولاً مجاورة. ولأكون صريحاً معكم، أرى أن هذه ليست سوى ذرائع واهية لاستهداف إقليم كوردستان، ولا يمكن تبريرها بأي حال من الأحوال.
المذيع: ألا تنطلق هجمات أمريكية ضد إيران من إقليم كوردستان؟ الحديث عن قاعدة حرير الموجودة في إقليم كوردستان أنه قد تكون كوردستان -حسب الاتهامات الإيرانية- أرضاً للهجوم على إيران، وبالتالي يتم استهدافها؟
رئيس الحكومة: هذا غير صحيح؛ أولاً، قاعدة حرير الجوية خالية منذ عشر سنوات. لقد استُخدمت في البداية من قِبل قوات التحالف في الحرب ضد داعش، وانتهت الحرب على داعش عام 2017. إن قاعدة حرير خالية. هذه الهجمات كلها استهدفت قاعدةً خالية. لا يوجد أي جنود أمريكيين في حرير، بل لا توجد فيها أي قوات عسكرية على الإطلاق. بالطبع، كان لدينا وجود أمريكي في أربيل، وقد تعرض هذا الوجود للاستهداف بشكل متكرر. لكن، كما تعلمون، فإن مهمة الأمريكيين الموجودين في إقليم كوردستان كانت تقتصر على مكافحة الإرهاب وحماية العراقيين، بمن فيهم سكان إقليم كوردستان، من التهديدات الإرهابية.
المذيع: ما حجم الوجود الأمريكي في الإقليم؟
رئيس الحكومة: الآن، لم يعد هناك أي وجود. كما تعلمون، فقد غادرت تلك القوات بالفعل. بالتالي فإن الولايات المتحدة تنهي مهمتها وفقاً للاتفاق المبرم بينها وبين الحكومة الاتحادية.
المذيع: الاتهامات الإيرانية فيما يتعلق بنشاط الأحزاب الكوردية الإيرانية المعارضة والتي تتخذ من الإقليم أو من حدود الإقليم مقراً لها… كيف تتعاملون مع هذه المسألة؟
رئيس الحكومة: نحن نرى أن أي قضية تتعلق بالكورد في أي دولة يجب أن تُحل بالطرق السلمية. وأفضل سبيل لذلك هو الحوار. فإذا كانت توجد خلافات أو نزاعات مع فصائل أو كيانات سياسية، أو كما في هذه الحالة مع الكورد في إيران، فإننا نعتقد أن الطريق الأمثل هو فتح باب الحوار بين الأطراف المختلفة. ونرى أن ذلك هو السبيل الأفضل للمضي قدماً. بطبيعة الحال، لا يمكن لأحد أن ينكر وجود الكورد. فالكورد جزء أصيل من دول المنطقة التي يعيشون فيها وينتمون إليها. لكن في هذه الحالة تحديداً، فإننا نعتقد أن حجم التهديد الذي صُوِّر، أو الطريقة التي جرى بها تصوير الكورد باعتبارهم يشكِّلون خطراً كبيراً على الأمن القومي الإيراني، قد جرى تضخيمها إلى حدٍّ كبير. لم يكن للكورد ذلك التأثير الكبير، ولم تكن لديهم أي نية حقيقية للقيام بدور من شأنه أن يزيد الوضع سوءاً. في الأساس، يسعى الجميع إلى حماية نفسه، ونحن في إقليم كوردستان، بذلنا كل ما في وسعنا لضمان أمن حدودنا واستقرارها، وللتأكد من أن أراضي الإقليم لا تُستخدم من قبل أي طرف للإضرار بأيٍّ من جيراننا.
المذيع: لكن السيد رئيس الوزراء، تعرف أنه في بداية الحرب، كان هناك حديث كبير جداً أمريكي وإسرائيلي عن دور للأحزاب الكوردية الإيرانية المعارضة في إسقاط النظام، ثم غضب ترامب وطبعاً قال تم تسليحهم ثم إنهم لم يشاركوا، بل إنهم استولوا على الأسلحة التي سلمناهم. يعني كان هناك رهان على الكورد الإيرانيين في بداية الحرب.
رئيس الحكومة: من حق أي طرف أن يقدّم تحليله الخاص، وأن تكون لديه تصورات أو تطلعات بشأن مآلات أي حدث. لكن فيما يتعلق بهذه الحرب، أقولها بكل وضوح وصراحة: لم نكن طرفاً فيها، ولن نكون طرفاً فيها.
المذيع: موضوع إسرائيل وعلاقتها مع كوردستان ملتبسة في العالم العربي، هناك حديث عن علاقات كبيرة، علاقات مهمة، علاقات سرية وما إلى ذلك. كيف ينظر السيد مسرور بارزاني لمسألة العلاقات الخاصة بالإقليم مع إسرائيل؟
رئيس الحكومة: إقليم كوردستان جزء من العراق، ولا يتبنى سياسةً خارجية مستقلة. لذلك فنحن نلتزم بالسياسة الخارجية للدولة العراقية، ونعمل وفق النهج الذي تتبعه الحكومة الاتحادية.
المذيع: إذن لا توجد علاقات للإقليم بإسرائيل؟
رئيس الحكومة: كما ذكرت، ليست لدينا علاقات معها، والعلاقات الرسمية والسياسة الخارجية من اختصاص الحكومة الاتحادية، وليست من صلاحياتنا.
المذيع: الآن السيد مسرور بارزاني، أنت رئيس حكومة الإقليم، إقليم كوردستان، وأنت جزء من العراق الاتحادي الكبير. هناك إشكالية تتعلق بالعراق وموقفه من الحرب. الجيران بدأوا يتأذون من نشاط الميليشيات، الحشد الشعبي تحديداً، بعض الفصائل غير الحكومية التي تقصف الدول المجاورة؛ قصفت الكويت والسعودية وقصفت حتى العراق، وكوردستان الآن، ولا يبدو أن العراق قادر على ضبط هذه المسألة. كيف تنظرون لهذا الأمر؟
رئيس الحكومة: نحن نتبنى السياسة الرسمية للحكومة الاتحادية، ولا سيما موقف السيد الزيدي رئيس الوزراء، الذي يؤكد أنه لا ينبغي لأي جماعة خارج إطار الدولة العراقية أن تحمل السلاح، أو تمتلك سلطة تهدد أمن العراق أو أمن دول الجوار. ولذلك، فإن بعض الأنشطة التي تقوم بها بعض هذه الجماعات تضر بالعراق أولاً قبل أن تضر بجيرانه. وقد رأينا كيف ردّت العديد من الدول المجاورة للعراق على الهجمات التي شنتها تلك الجماعات، سواء بالصواريخ أو بالطائرات المسيّرة. وللأسف، امتدت هذه الهجمات أيضاً إلى إقليم كوردستان. فعلى مدى الأشهر الماضية، تعرضت بنيتنا التحتية، وأهدافنا المدنية، وحتى قواعدنا، لسلسلة من الهجمات المتكررة، وهذا أمر لا بد أن يتوقف. ونحن ندعم رئيس الوزراء بشكل كامل في مساعيه لإخضاع الجميع لسيادة القانون، والتأكد من ألا تمتلك أي جهة خارج القوات النظامية التابعة للدولة، القدرة على تهديد أمن العراقيين أو أمن الدول المجاورة.
المذيع: هل يبدو أنها أقوى من الدولة؟ يعني هذه الفصائل تهاجم العراق، تهاجم إقليم كوردستان، تهاجم الدول المجاورة، تهدد سوريا والأردن، الكل يشتكي منها، هل يبدو أنها أقوى من الدولة؟
رئيس الحكومة: لا أستطيع القول إنهم أقوى من الحكومة. لا أعتقد أنه وُجدتْ حتى الآن محاولة جادة لنزع سلاحهم بالقوة، لأن التوجه، حتى الآن، هو التوصل إلى اتفاقٍ سلمي يضمن أن تقوم هذه الجماعات بتسليم سلاحها، أو الاندماج ضمن القوات الأمنية العراقية. إذاً، لم تحدث محاولة حقيقية لمواجهتهم عسكرياً، وأعتقد أن هذا هو النهج الصحيح لضمان أن تلتزم هذه الجماعات في نهاية المطاف بقوانين الدولة وأنظمتها.
المذيع: هذا، سيدي الرئيس، يفتح باباً للسؤال الكبير المتعلق بالنفوذ الإيراني في العراق؟
رئيس الحكومة: العراق دولةٌ مجاورة لإيران، وتشترك معها في حدود طويلة، ولذلك فمن الطبيعي أن تكون بينهما علاقات، لكننا أكدنا دائماً أن هذه العلاقات يجب أن تقوم على أساس الاحترام المتبادَل والثقة المتبادَلَة. فجميع الدول ينبغي أن تحترم بعضها بعضاً، وفقاً للأعراف التي تنظم العلاقات فيما بينها وآليات إدارتها. ونرى أيضاً أن على العراق أن يركّز على حماية مصالحه الوطنية وتعزيزها، وفي الوقت نفسه، فإن إقامة علاقات طبيعية مع جميع دول الجوار هو النهج الطبيعي لإدارة هذه العلاقات. لكن، كما قلت، يجب أن يكون العراق مستقلاً استقلالاً كاملاً في اتخاذ قراراته، وأن يضع مصلحة شعبه ومصالحه الوطنية فوق كل اعتبار.
المذيع: طرفا الحرب الآن، الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، هما لاعبان رئيسيان في صناعة القرار العراقي منذ عام 2003 وإسقاط النظام العراقي (السابق). كيف يوازن العراق بين طرفي الحرب والنفوذ الأمريكي والإيراني؟
رئيس الحكومة: كما تعلمون، شهد العراق سلسلةً من الأحداث التي وضعته في موقف بالغ الصعوبة. فقد سقط النظام السابق، ثم جاء الغزو الأمريكي للعراق؛ وفي البداية وُصف ذلك بأنه احتلال، ثم عرَّفتْ القوات نفسها بأنها قوات غزو. ومنذ ذلك الحين، ظل الوجود العسكري الأجنبي في العراق قائماً، بدرجات متفاوتة، حتى يومنا هذا. ثم شهدنا صعود الإرهاب، الأمر الذي دفع الولايات المتحدة وقوات التحالف، وبناءً على طلب من الحكومة العراقية، إلى العودة مجدداً إلى العراق، كما انضمت إليها أيضاً العديد من الدول الأوروبية الصديقة. وهكذا، أصبح يوجد عدد من القوات الأجنبية في العراق بهدف مساعدته على مواجهة التهديدات والقوى الخارجية. وبالطبع، حاولت إيران أيضاً، لنَقُلْ، أن تزيد من نفوذها كلما سنحت لها الفرصة، ورأت في تلك الظروف وسيلة لتعزيز حضورها وزيادة تأثيرها داخل العراق. وقد وضع ذلك العراق في موقفٍ بات عليه فيه أن يدير هذه العلاقة؛ فمن جهة، تربط العراقَ علاقاتُ صداقةٍ بجميع هذه الدول التي ساعدته في الماضي. ومن جهة أخرى، توجد الكثير من القواسم المشتركة التي تربط العراقَ بإيران. فلدينا الكثير من القواسم المشتركة، التي تقرّب بين البلدين، مثل الدين والجغرافيا والتاريخ. لذلك، يتعين على العراق أن يدير هذه العلاقة. لكن، من وجهة نظري، ينبغي أن تأتي المصلحة الوطنية للعراق فوق كل اعتبار.
المذيع: سيادة الرئيس، أين تتجه الحرب؟
رئيس الحكومة: من الصعب جداً التنبؤ بذلك. أعلم أنها ستنتهي يوماً ما، لكن السؤال هو: متى؟ لا أعرف على وجه التحديد. ولا أعلم كم عدد الأرواح التي ستُزهق، أو كم من البنية التحتية سيتدمر، أو كم من الوقت سيضيع قبل أن تنتهي هذه الحرب.
المذيع: توسع أم نهاية قريبة؟
رئيس الحكومة: لا أستطيع التنبؤ. لا أعرف. توجد الكثير من الأحاديث، بطبيعة الحال، فالناس يتحدثون عن السيناريوهات، وما الذي سيحدث، وإذا كانت الحرب ستُفضي إلى نتيجة أفضل، أو إذا كانت التسوية السلمية والمفاوضات ستؤدي إلى نوعٍ من التسوية السلمية بين الولايات المتحدة وإيران. إذاً، توجد الكثير من التكهنات، لكن من وجهة نظري لا يوجد شيء مؤكد حتى الآن، على الأقل بالنسبة لي. ولهذا فمن الصعب جداً عليّ أن أتنبأ بما سيحدث.
المذيع: إقليم كوردستان لديه مشاكل اقتصادية كثيرة سابقاً، ما هي التأثيرات المباشرة للحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية على الإقليم؟
رئيس الحكومة: حسناً، يوجد تأثير مباشر، وتأثير كبير على اقتصادنا. كما تعلمون، الحكومة العراقية، باعتبارها دولة تعتمد على تصدير النفط، ومع إغلاق مضيق هرمز، أصبح العراق غير قادر على تصدير نفطه. وقد أثّر هذا سلباً في الاقتصاد العراقي، الذي نحن جزء منه. ولذلك، فمن المؤكد أنه عندما يتأثر العراق، فإننا نتأثر بذلك بشكل مباشر. كما أن بعض هجمات الطائرات المسيّرة والصواريخ أدت إلى تباطؤ الأنشطة الاقتصادية في إقليم كوردستان خلال الأشهر القليلة الماضية. كذلك، تراجعت التجارة مع الدول الأخرى بشكل ملحوظ؛ ويمكننا القول إن أكثر من 70% من حجم تجارتنا أصبح أقل مما كان عليه في السابق. إذاً، فإن هذا يؤثر بالتأكيد في اقتصاد إقليم كوردستان. وإذا استمرت هذه الحرب، فأعتقد أن الوضع لن يزداد إلا سوءاً، ليس بالنسبة إلى إقليم كوردستان والعراق فحسب، بل بالنسبة إلى المنطقة بأسرها. وكما ترون، فإن العديد من دول العالم تتأثر أيضاً بهذه الحرب المستمرة.
المذيع: ألا يعيد هذا النقاش حول مسألة النفط وحقول النفط وتصدير كوردستان؟ مسألة يعني كوردستان خيار ممتاز جداً لا يتأثر بالخليج العربي ومرور النفط عبر مضيق هرمز وما إلى ذلك.. يعني رئة أخرى. ألا يعيد هذا الأمر، هذه الحرب والصعوبات الاقتصادية، النقاش حول مسألة النفط؟
رئيس الحكومة: لقد قلنا ذلك بصراحة ووضوح: إن إقليم كوردستان مستعد لمساعدة بغداد بأي طريقة نستطيعها. نحن ندعم رئيس الوزراء الزيدي دعماً كاملاً، وسنفعل كل ما بوسعنا لدعم اقتصاد البلاد. لكن علينا أن نكون واقعيين، فقد كان العراق يصدِّر أكثر من أربعة ملايين برميل من الجنوب. ما نملكه في إقليم كوردستان لا يمكن أن يعوض هذه الخسائر، فنحن لا نستطيع إنتاج أكثر من ثلاثمئة ألف برميل، وربما أربعمئة ألف إذا توفرت استثمارات إضافية. إلى جانب ذلك، ربما يوجد ما يقارب ثلاثمئة ألف برميل من كركوك. وحتى إذا تمكنت الحكومة الاتحادية من تحويل جزء من صادراتها من مناطق أخرى في البلاد عبر إقليم كوردستان إلى تركيا، ولنفترض أننا وصلنا إلى مليون برميل، فإن ذلك لا يزال غير كافٍ. فالعراق يحتاج إلى تصدير كميات أكبر من ذلك من النفط لتعويض الخسائر في إيراداته. لذلك نعم، إقليم كوردستان مستعد للمساعدة. ويمكنه أن يخفف من حجم الأعباء، لكنه لا يستطيع، بطبيعة الحال، أن يحل المشكلة بالكامل.
المذيع: إلى أي رقم يمكن تصدير النفط عبر إقليم كوردستان؟
رئيس الحكومة: كما أوضحتُ، فإن إقليم كوردستان يحتاج إلى مزيد من الاستثمارات لزيادة الإنتاج، لكن التهديدات الحالية، والهجمات التي استهدفت البنية التحتية النفطية، وآبار النفط، والمصافي في السابق من قِبل بعض هذه الجماعات، جعلت من الصعب جداً على شركات النفط أن تعود للاستثمار أو حتى أن تواصل عملياتها. ولم تتمكن هذه الشركات من العودة إلى الإنتاج واستئناف عملياتها إلا مؤخراً، بعد الضمانات التي قدمها لها رئيس الوزراء الزيدي والحكومة العراقية ووزارة النفط، لكن الوصول إلى الطاقة الإنتاجية القصوى يحتاج إلى وقت. أما زيادة الإنتاج، فهي تتطلب استثمارات إضافية. وهذا يحتاج أيضاً إلى بعض الوقت. لكن الطاقة الإنتاجية المتاحة هنا لا تزال أقل بكثير مما يستطيع العراق إنتاجه في الجنوب. ولهذا، من الضروري أن يسهم إقليم كوردستان في تقديم المساعدة، لكن من الضروري أيضاً أن يتمكن العراق من تصدير نفطه، حتى يحقق إيرادات كافية تضمن استمرار عمل الاقتصاد.
المذيع: لكن هذا يستلزم حل إشكاليات قانون النفط، ومسألة إعادة التفكير في حق الإقليم في إنتاج النفط وتصديره وما إلى ذلك..
رئيس الحكومة: نعم، بالطبع، لكن للأسف، لا يزال قانون النفط غير موجود حتى الآن، وإقراره سيستغرق بعض الوقت، لأن الأمر يعود إلى مجلس النواب للبت فيه. وهذا القانون ضروري، فنحن بحاجة إلى قانون للنفط والغاز يحدد بصورة واضحة حقوق كل طرف. وبالطبع، لدينا الدستور، وهو ينص بوضوح على حقوق الإقليم وحقوق الحكومة الاتحادية. لذلك ليست لدينا أي مشكلة مع الدستور، فقد تناول هذه المسألة بالفعل، ويوجد اتفاق بشأنها. لكننا، حتى الآن، ليس لدينا قانون. وما زالت الحكومة العراقية تستند إلى قانون يعود إلى عام 1975، وهو قانون أُلغي لأنه يعود إلى عهد النظام السابق. وحتى الآن، لا يوجد أي قانون. لقد تغيّر النظام، وتحول العراق من دولة ذات نظام مركزي إلى دولة اتحادية، لكن القوانين ما زالت كما هي، وهذا يخلق مشكلة. وهذا أحد الأسباب التي تجعلنا لا نزال نواجه بعض المشاكل حتى الآن.
المذيع: أريد من السيد رئيس الوزراء السيد مسرور بارزاني تقييم هذه العلاقة مع الحكومة الاتحادية.. هناك الآن إقليم يتمتع بقدر عالٍ من الاستقلالية بقوانينه، ولكنه جزء من العراق الفيدرالي الاتحادي الكبير، وهناك مشاكل. ما هي أبرز الإشكاليات التي لم يتجاوزها الكورد والحكومة الاتحادية؟ دعنا نعددها كنقاط أساسية.
رئيس الحكومة: تكمن أكبر مشكلة في تبنّي النظام الاتحادي، فما زال يوجد أشخاص في بغداد لا يؤمنون بالنظام الاتحادي، أو أنهم حتى لا يفهمونه. كما أن النظام الاتحادي لم يُطبَّق بالشكل الذي كان ينبغي أن يُطبَّق به، وأعتقد أن هذه هي المشكلة الأكبر، فالعديد من مواد الدستور لم تتحول إلى قوانين. ولذلك، كانت توجد محاولات لتجاهل بعض المواد المنصوص عليها في الدستور، وهي مواد أساسية جداً لتنظيم العلاقات بين بغداد وكوردستان وتطبيعها. وهذا هو السبب في استمرار بعض المشكلات، لأنه توجد تفسيرات خاطئة أو تفسيرات مختلفة لبعض أحكام الدستور بين الجانبين. لذلك، من وجهة نظرنا، لو طُبِّق الدستور بالشكل الذي كان ينبغي أن يُطبَّق به، ولو احترمت جميع الأطراف النظامَ الاتحادي، لكانت المشكلات بيننا في حدها الأدنى.
المذيع: لكنه لم يُطبَّق كما يجب؟
رئيس الحكومة: لا، إطلاقاً. وأنا لا أُلقي باللوم على حكومة بعينها أو على شخص بعينه، وإنما أقول إن هذه كانت المشكلة بشكل عام منذ عام 2005، منذ إقرار الدستور وحتى اليوم، إذ لم يلتزم العراق بتطبيق الدستور، أو لم يطبقه بالشكل الذي كان ينبغي أن يُطبق به.
المذيع: العقل الاتحادي الفيدرالي يختلف عن العقل الوطني الشمولي، هل هذا صحيح؟
رئيس الحكومة: نعم.
المذيع: أعني العقل الحاكم في بغداد بشكل عام، أنا أقصد النخب السياسية ليست فيدرالية إلى حد كبير؟
رئيس الحكومة: ليس الجميع. فكثيرون يتفهَّمون ذلك جيداً، ويوجد مَن يدرك أهمية تحوّل العراق إلى نظام اتحادي. كما أن كثيرين يفهمون مزايا هذا النظام مقارنةً بالنظام المركزي. وفي الواقع، خلال حواراتنا مع العديد من المحافظات في مختلِف أنحاء البلاد، وجدنا أنهم جميعاً يعانون من هذه العقلية المركزية، فالمركزية ليست دائماً الخيار الأفضل للبلاد. وأحياناً تكون اللامركزية وتقاسم السلطة مع الآخرين هو الطريق الأفضل للمضي قدماً.
المذيع: تقاسم السلطة، يخشى منه البعض أنه قد يؤدي إلى انفصال في نهاية المطاف.
رئيس الحكومة: هذا غير صحيح، لأنه توجد العديد من النماذج الناجحة جداً في العالم لدولٍ تتبنى النظام الاتحادي، وهي دول قوية للغاية. انظر إلى ألمانيا، وانظر إلى الولايات المتحدة، وانظر مثلاً إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، وانظر إلى سويسرا. يمكنك أن تجد العديد من الدول الاتحادية الناجحة. لذلك، فالمشكلة ليست في النظام نفسه، وإنما في عقلية بعض الأفراد الذين، للأسف، يسيئون فهم هذا النظام ويحاولون فرض أيديولوجية مختلفة. وفي الواقع، إذا عدنا إلى عام 2005، فقد كان لدينا الدستور، وهذا الدستور يمثِّل، إذا جاز التعبير، حزمةً من التسويات التي توصلت إليها جميع الأطراف. ونحن في كوردستان قدمنا الكثير من التنازلات من أجل الوصول إلى النظام الاتحادي. لذلك، فإن النظام الاتحادي لا يلبي بالضرورة جميع مطالب كل طرف، لكنه أفضل نظام متاح.
المذيع: دعنا نعدد القضايا؛ الأراضي المتنازع عليها، قانون النفط والغاز، ماذا أيضاً؟ أريد الإشكاليات التي تعبّر عن عدم تقدم الفيدرالية كما يجب؟
رئيس الحكومة: دعني أكرر مرة أخرى أن الإيمان بالنظام الاتحادي ذاته، والاقتناع بأنه أفضل نظام للمضي قدماً، كفيل بحل كل ما عدا ذلك. ما نتحدث عنه هو المادة (140) المتعلقة بالمناطق المتنازع عليها، أو قانون النفط والغاز، وحتى مسائل مثل التجارة والضرائب وغيرها، فهذه كلها قضايا لا تزال عالقة. والسبب هو اختلاف العقليات. فيوجد من يعتقد أن كل شيء يجب أن يكون مركزياً، ولذلك جرى تجاهل بعض هذه المواد، ولم تُعالَج قضية المناطق المتنازَع عليها بالشكل الصحيح منذ عام 2005. أعني أن الدستور حدد إطاراً زمنياً كان ينبغي خلاله حل هذه القضية. وأعتقد أن كثيراً من مشكلاتنا مع بغداد كانت ستُحل لو جرى تنفيذ المادة (140). كما أن قانون النفط والغاز كان سيعالج الخلافات المتعلقة باستخدام النفط والغاز على مرّ السنين. لكننا لا نملك هذا القانون، ولذلك ما زلنا نواجه هذه المشكلات. أما فيما يتعلق بنظام الضرائب، فما هي صلاحيات الحكومة الاتحادية؟ وماذا عن الأقاليم والمحافظات؟ وما مقدار الضرائب التي تعود إلى هذا الإقليم؟ فهذه أمور لم تُحسم بعد ولم تتضح حتى الآن.
المذيع: هناك نموذجان، النموذج الكوردستاني، نموذج إقليم كوردستان وإدارته، منذ عام 2005 حتى اليوم، وهناك نموذج الحكومة المركزية أو الاتحادية في بغداد. البعض يتحدث أن نموذج إقليم كوردستان فيه تطور وحداثة أكثر على صعيد الرقمنة، الحوكمة، على صعيد الخدمات المقدمة، على صعيد النهضة، جذب الاستثمارات، القوانين وما إلى ذلك. ومنها أريد أن أنطلق لرؤية السيد مسرور بارزاني الاقتصادية الإصلاحية؛ هل تراهنون على هذا الأمر؟ ماذا يحمل مشروعكم الإصلاحي الاقتصادي؟ وما هي الفوارق -أنا دمجت عدة أسئلة- ما هي الفوارق بينكم وبين الحال في الحكومة الاتحادية في بغداد؟
رئيس الحكومة: دعنا لا ننسى أننا بدأنا منذ عام 1991، بعد الانتفاضة، بينما بدأت بغداد بعد سقوط نظام صدام عام 2003. أي أن الفارق كان اثني عشر عاماً.
المذيع: هناك يعني 15 عاماً لحين استقرار الأمور في عام 2007.
رئيس الحكومة: لكن منذ عام 2003 وحتى اليوم، كان يوجد وقت كافٍ للحاق بالركب أو لإنجاز الكثير من الأمور، ولا سيما بالنسبة إلى بغداد والعراق بوصفه دولة ذات سيادة ودولة مستقلة، أعني أنهم قادرون على القيام بالكثير. كما أن العراق يمتلك موارده الطبيعية الخاصة، وهو من أغنى دول العالم من حيث الموارد الطبيعية، وكذلك من حيث موارده البشرية وموقعه الاستراتيجي. لذلك، فالعراق بلد مهم جداً، ولن ينهار، لأنه يمتلك جميع المقومات التي تمكّنه من النهوض مجدداً وتحسين الأوضاع. وكل ما يحتاج إليه هو الإدارة السليمة، واتخاذ القرارات الصحيحة. ونأمل، نأمل حقاً، أن تُتخذ هذه القرارات الصحيحة في ظل قيادة رئيس الوزراء الزيدي. ولهذا فإننا ندعم دعماً كاملاً جميع هذه المبادرات التي يطرحها.
المذيع: هذه أمنيات السيد بارزاني، أريد الواقع..
رئيس الحكومة: كما قلت، يوجد فرق. فيوجد اختلاف بين إقليم كوردستان وبقية أنحاء العراق. في إقليم كوردستان، تمكنَّا من المضي في الإصلاح الاقتصادي، أو الإصلاح بشكل عام، ومكافحة الفساد، وتنويع الاقتصاد، وقد حققت هذه الخطوات جميعها نتائج إيجابية. وركزنا بشكل كبير على رقمنة الخدمات، ولتحقيق ذلك، كان علينا جمع البيانات، حتى لا نبني قراراتنا على تحليلات فردية، بل على قواعد بيانات نجمعها، ولذلك، فإن كل قرار يُتَّخَذ يستند إلى تحليل علمي للوضع. وثانياً، سعينا إلى تنويع الاقتصاد، حتى لا نعتمد فقط على النفط أو صادراته. وكما نرى، فقد أدى توقف صادرات النفط إلى دخول البلاد في أزمة، ولهذا استثمرنا بشكل كبير في القطاع الزراعي، وإنشاء صناعات مختلفة وبناء المصانع، وتشجيع السياحة، وإيلاء اهتمام كبير بقطاعي التعليم والصحة. وبذلك، ركزنا على عدد من المجالات التي يمكن من خلالها تنويع اقتصادنا، وضمان تحقيق إيرادات أكبر لا تعتمد كلياً على النفط والغاز. وأعتقد أن هذا النهج مطلوب أيضاً على نطاق أوسع في العراق كله، فالعراق يمتلك موارد أخرى إلى جانب النفط والغاز، كما ينبغي إدارة عائدات النفط والغاز بصورة أفضل. فجزء كبير من أموال الدولة يذهب إلى الرواتب، ويوجد إنفاق كبير يحتاج إلى إدارة أفضل إذا كانت البلاد تريد أن تحقق التنمية. وبدلاً من توظيف المزيد من الأشخاص في القطاع العام كل عام، ينبغي تشجيع القطاع الخاص وتعزيز دوره. بالمناسبة، منذ عام 2013 لم يعد يُسمح بالتعيين في الوظائف الحكومية في إقليم كوردستان، وإنما اقتصر الأمر على نظام العقود. لكن هذه القيود مفروضة في إقليم كوردستان دون بقية أنحاء البلاد. وهذا الأمر يحتاج إلى إدارة أفضل؛ أعني أنه ينبغي التركيز على تعزيز القطاع الخاص. كما ينبغي الاهتمام بالقطاع المصرفي على سبيل المثال، لأنه ضروري للاستثمار، ولا غنى عنه لنمو مختلف الأنشطة التجارية، ولتهيئة بيئة يشعر فيها الناس أنهم لا يحتاجون إلى أن يكونوا موظفين حكوميين فقط من أجل تأمين مستقبلهم. هذا ما قمنا به في إقليم كوردستان. وتوجد أيضاً العديد من الأمور الأخرى التي أنجزناها وأثبتت نجاحها، مثل مشاريع الكهرباء، ومشاريع المياه.
المذيع: من يؤثر على الآخر؟ يعني هل هم يجذبونكم في الحكومة الاتحادية، أم أنتم تحاولون جذب الحكومة الاتحادية إلى آفاق أفضل؟ خاصة أنكم ليس لديكم موازنة مستقلة، فالإشكاليات الفيدرالية أنكم تتبعون تماماً في الموازنة والاقتصاد.
رئيس الحكومة: لقد مررنا بمراحل مختلفة. فقد كان يوجد أشخاص في بغداد يؤمنون تماماً بأن كل شيء يجب أن يُدار بشكل مركزي. وفي المقابل، يوجد مَن ينظر إلى إقليم كوردستان بوصفه نموذجاً ناجحاً، ويحاول الاستفادة من نجاحاته، وربما تكرار هذه التجربة أيضاً.
المذيع: مَن يستثمر في كوردستان؟ مَن هم كبار المستثمرين؟
رئيس الحكومة: نعم، لدينا بالطبع عدد كبير من المستثمرين المحليين من كوردستان، وقد كانوا بالفعل طوق النجاة لاقتصادنا في الأوقات الصعبة. ولا بد أن أعبِّر عن بالغ امتناني لجميع المستثمرين ورجال الأعمال في إقليم كوردستان، وللقطاع الخاص، الذين أنجزوا هذه المشاريع كلها بجهودهم الخاصة، ومن دون أن يتلقوا دعماً كبيراً من الحكومة. ولدينا أيضاً مستثمرون من خارج الإقليم؛ لدينا مستثمرون أمريكيون وأوروبيون، ولا سيما في قطاعي النفط والطاقة، وكذلك في القطاع الزراعي. كما تربطنا شراكات مع العديد من دول العالم، مثل هولندا وألمانيا.
المذيع: مَن شريككم الاقتصادي الأول في الإقليم، يعني على صعيد الأعمال والاستثمارات وأشياء كثيرة اقتصادياً؟
رئيس الحكومة: تركيا.
المذيع: تركيا؟
رئيس الحكومة: نعم. فهي صاحبة أكبر عدد من المستثمرين، كما أن أكبر حجم للتبادل التجاري لدينا هو مع تركيا.
المذيع: كيف هي علاقاتكم مع تركيا؟
رئيس الحكومة: علاقاتنا مع تركيا جيدة جداً، ويوجد تفاهم جيد بيننا، وقد قدَّم كل منا الدعم للآخر على مختلف المستويات، كما تربطنا علاقات تجارية ونشاط اقتصادي واسع.
المذيع: ما هي المشاكل العالقة بينكم وبين تركيا؟ موضوع حزب العمال، موضوع الاستهداف، موضوع التدخلات العسكرية وما إلى ذلك؟
رئيس الحكومة: حسناً، وُجدت هذه المشكلات، بطبيعة الحال. فقد كانت تحدث مواجهات واشتباكات على حدودنا، ونتيجة لهذا الصراع المستمر، لا تزال 800 قرية من قرانا مدمرة، ولم نتمكن من إعادة إعمارها، بسبب استمرار الحرب والمواجهات على المنطقة الحدودية بيننا وبين تركيا. فبالتأكيد، كانت توجد مشكلة، لكن، ولحسن الحظ، شهدت تركيا خلال العامين الماضيين مبادرةً للسلام، وقد كنا داعمين بقوة لهذه المبادرة، ونأمل أن تقود إلى مزيد من التسويات والاتفاقات السلمية، وإلى تعزيز الأمن.
المذيع: سيدي الرئيس، تركيا فيها أكبر مكون كوردي – حوالي 30 مليوناً حسب الأرقام-، وإذا حُسمت المسألة الكوردية في تركيا، ربما تسهم في تبريد المسألة بشكل عام، صحيح؟ كيف ترى المسألة الكوردية التركية؟
رئيس الحكومة: هم لديهم طريقتهم الخاصة في معالجة هذه المشكلات، ومن الواضح أن للكورد في تركيا تطلعاتهم الخاصة، ونحن لم نكن إلا داعمين لأي اتفاق سلمي بين الحكومة والكورد. وليس جميع الكورد ينتمون إلى حزب سياسي واحد، فيوجد أيضاً كورد ينتمون إلى الحزب الحاكم اليوم. ولذلك، نعم، فإن معالجة القضية الكوردية في تركيا تُعد أمراً مهماً للمساعدة في التوصل إلى حل نهائي للكورد في المنطقة بأسرها.
المذيع: في سوريا حدث تطور كبير جداً، سقط النظام السوري وجاء الرئيس الشرع. يبدو أنه تقدم كثيراً في الموضوع مع (قسد) وحسم مسألة قسد ودمجها في الدولة، وهناك حديث عن معالجة مظلومية المواطنين السوريين الأكراد بشكل ما.. كيف ينظر السيد مسرور بارزاني، رئيس حكومة إقليم كوردستان، لهذه المسألة؟
رئيس الحكومة: نحن نعتقد أن سوريا قد بُعثت من تحت الرماد، فقد مرت بظروف بالغة الصعوبة. وأعتقد أن ما تحقق خلال العامين الماضيين كان إيجابياً وبنّاءً إلى حد كبير. من الواضح أنه لا تزال توجد مشكلات، لكننا كنا داعمين بقوة للمحادثات والحوار بين دمشق والكورد في سوريا. وقد وجّه الرئيس (مسعود) بارزاني دعوات في هذا الإطار، كما كان له دور فاعل في المساعدة على استمرار هذه المحادثات والحوار. وتوجد الآن علاقة جيدة آخذة في التطور بين أربيل ودمشق، ولذلك فإننا ندعم أي مبادرة أو خطوة إيجابية وبنّاءة من شأنها أن تُفضي في نهاية المطاف إلى إنهاء المشكلات القائمة في سوريا وحلّها.
المذيع: هل تعتقدون أن النظام السوري الجديد جاد في حل المسألة الكوردية، المسائل العالقة، مسألة الجنسية، مسائل الحقوق وما إلى ذلك؟
رئيس الحكومة: حسناً، لقد اتخذوا بالفعل قراراً بمنح الكورد الجنسية، ونعم، لقد رأينا أنهم جادون جداً في ذلك حتى الآن. نعم، لقد أصدر الرئيس الشرع بالفعل توجيهاً بمنح الكورد الجنسية. لا أعلم ما إذا كانت الإجراءات قد اكتملت، لكنني أعلم أنه اتخذ هذا القرار بالفعل.
المذيع: هل تعتقد أنكم في الإقليم معنيون بأي قضية كوردية في أي بلد محيط؟
رئيس الحكومة: بالطبع، فهم من أبناء جلدتنا، وهم إخوتنا، ويوجد الكثير من التواصل والكثير من المصالح المشتركة بيننا. نحن نحترم خصوصيتهم، ونحترم أنهم يعيشون في دولة مختلفة، لكننا، بالطبع، ندعم حقوقهم دعماً كاملاً، بالطرق المقبولة، وبالطريقة التي تمكّنهم من التوصل إلى اتفاق مع حكوماتهم.
المذيع: هل استعانت بكم الإدارة السورية الجديدة في إدارة الإشكاليات مع (قسد) أو في التعامل مع المسألة الكوردية بشكل ما؟
رئيس الحكومة: كانت توجد محادثات بالفعل، وقد أدينا دوراً بنّاءً للغاية في تقريب وجهات النظر بين الطرفين.
المذيع: هل يبدو الوضع أفضل اليوم مقارنة بالوضع الذي كان عليه في النظام السابق؟ أقصد فيما يتعلق بالأكراد حتى الآن؟
رئيس الحكومة: حتى الآن، نعم، هذا ما رأيناه. ففي الماضي مررنا بمرحلتين مختلفتين. كانت توجد مرحلة شهدت إنكار وجود الكورد في سوريا، ثم جاءت مرحلة تنظيم داعش، حين اضطر الكورد في المناطق التي كانوا فيها إلى قتال هذا التنظيم. واليوم دخل جميع السوريين، بمن فيهم الكورد، مرحلة مختلفة، فيوجد كورد يشغلون الآن مقاعد في مجلس الشعب، وكورد يتولون مناصب وزارية في الحكومة الجديدة. ونحن نعلم أن هذه المشكلات لن تُحل بين ليلة وضحاها، فما زالت توجد قضايا تحتاج إلى معالجة. لكن الأهم هو بناء الثقة، فبمجرد ترسُّخ الثقة، أعتقد أن ذلك سيفتح الطريق أمام تواصل أفضل، والتوصل إلى اتفاقات أفضل أيضاً.
المذيع: سيد بارزاني، المسألة الكوردية في هذه الدول هي محدد رئيسي لعلاقاتكم معها؟
رئيس الحكومة: لدينا علاقاتنا الخاصة مع دول الجوار جميعها، سواء مع تركيا، أو سوريا، أو إيران، أو الأردن، أو المملكة العربية السعودية، أو الكويت. أما الدول التي نتشارك معها حدوداً مباشرة فهي سوريا وتركيا وإيران. ولدينا علاقات مع هذه الدول جميعها، لكن من المؤكد أن العنصر الكوردي يُعد أحد العوامل المهمة في تشكيل علاقاتنا مع هذه الدول.
المذيع: لم نعد نسمع عن الكورد الإيرانيين. يعني، المسألة الكوردية في تركيا قضية أساسية وحدثت تحولات كبيرة، والرئيس أردوغان قام بجهد كبير في هذه المسألة. سوريا كانت مسألة رئيسية رغم قصر فترة الرئيس الشرع لأنه حدثت تحولات كبيرة جداً. إيران، لم نعد نسمع بملف الأكراد؟
رئيس الحكومة: نعم، لقد تعاملوا مع الكورد كلٌّ بطريقته الخاصة. فعلى سبيل المثال، ظلّت تركيا لفترة طويلة تنكر وجود الكورد. لكن خلال العقدين الماضيين، ولا سيما في ظل الحزب الحاكم الحالي، وحتى الأحزاب المعارضة التي كانت تتخذ مواقف متشددة ضد الكورد، أصبح الجميع يقرّ اليوم بأن الكورد ليسوا موجودين فحسب، بل إنهم يشكلون جزءاً مهماً وأساسياً من تركيا، وأنه لا بد من إيجاد سبيل يمكّن الجميع من العيش معاً وأن يكونوا مواطنين صالحين. أما في إيران، فهناك، على سبيل المثال، محافظة اسمها كوردستان، وكانت سنندج، ولا تزال، عاصمة محافظة كوردستان في إيران. لكن مشاركة الكورد، ولا سيما على المستوى الحكومي، لنَقُلْ، كانت محدودة. إذاً، كان لديهم أسلوبهم الخاص في التعامل مع الكورد. وبالطبع، توجد الكثير من الحقوق التي يطالب بها الكورد في إيران، ويشعرون أنهم محرومون منها، وهذا أمر يخصهم. ونحن ندعم أن يتمتع الكورد بحقوق متساوية أينما كانوا، وفي أي دولة يعيشون فيها، فلا ينبغي أن يكونوا مواطنين من الدرجة الثانية، بل يجب أن يكونوا مواطنين كاملي الحقوق، وأن يُعاملوا بمساواة، وأعتقد أن ذلك من شأنه أن يحل كثيراً من المشكلات القائمة في أي بلد، بغض النظر عن مكان وجودهم.
المذيع: المثل الذي أعجبني، المثل الذي بدأنا به الحلقة عند الأكراد والذي يقول “لا صديق للأكراد سوى الجبال”، فيه إشارة لحالة الصراعات والحروب. الآن، الجيل الشاب على ماذا يراهن؟ هل انتهى زمن الحروب بين الدول وأصبح الحديث عن المواطنة المتساوية والحقوق المتساوية للكورد سواء في إقليمهم أو في الدول التي يعيشون فيها؟ على ماذا يراهن السيد مسرور؟
رئيس الحكومة: انظر، إنَّ كثيراً من الشباب وأبناء الجيل الجديد لا يعرفون معنى الاضطهاد، ولا يعرفون ما هي عمليات الأنفال أو القصف الكيميائي، على سبيل المثال، في العراق. وهم لا يعرفون ذلك لأنهم وُلدوا بعد تلك الأحداث بسنوات طويلة، فكثير منهم وُلد عندما كان إقليم كوردستان كياناً اتحادياً، لذلك، فقد عاشوا هذه السنوات كلها في أجواء من الحرية. كما أنهم يتمتعون بإمكانية الوصول إلى الإنترنت وإلى العالم، ويعرفون ما يجري في أستراليا، والولايات المتحدة، وأوروبا، وإفريقيا، ومختلِف أنحاء العالم. فالناس اليوم لديهم سهولة في الوصول إلى المعلومات، ولذلك هم على دراية بما يحدث. إن طموحات الجيل الجديد مختلفة، فكما تعلم، لم يعودوا يعيشون تحت وطأة الضغوط، بل يسعون إلى حياة أفضل، ويحاولون بناء نظام أفضل، وينظرون إلى الدول المتقدمة باعتبارها نماذج يتطلعون إليها. ولذلك، فهم يقارنون أنفسهم بأفضل النماذج في العالم. ومن هنا تأتي توقعاتهم المرتفعة دائماً. وهذا يجعل مهمتنا أكثر صعوبة إلى حدٍّ ما، لأن علينا أن نوازن بين الواقع وتوقعات الجيل الشاب، ولذلك، نحاول إدارة هذا الأمر بأفضل ما نستطيع. لكنني أستطيع أن أقول لك إن لدينا جيلاً شاباً ينبض بالحيوية، ويتمتع بقدر كبير من الذكاء، ويحظى بتعليم جيد جداً، وأنا متفائل للغاية، ولدي أمل كبير في مستقبله.
المذيع: السيد مسرور مسعود بارزاني، رئيس حكومة إقليم كوردستان العراق، شاكر ومقدر وجودك في المقابلة. شكراً، وأمنياتنا للعراق ولكوردستان وللجميع بأوضاع أفضل. شكراً.
رئيس الحكومة: شكراً جزيلاً.
المذيع: شكراً مشاهدينا الكرام، شكراً لكم على طيب المتابعة. ألقاكم إن شاء الله في الحلقة القادمة من جديد. دمتم بخير وفي أمان، شكراً جزيلاً.
المذيع: شكراً جزيلاً سيدي الرئيس.
رئيس الحكومة: شكراً.
https://www.youtube.com/watch?v=qwanBgeEsfs




