لا تبدو معركة حصر السلاح في العراق مجرد محاولة لإنهاء المظاهر المسلحة، بل اختباراً لقدرة حكومة علي الزيدي على إعادة ضبط علاقة الحشد الشعبي بالدولة. فالحشد مؤسسة رسمية مرتبطة بالقائد العام للقوات المسلحة، لكنها نشأت من رحم فصائل مسلحة لا تزال بعض مكوناتها تحتفظ باستقلال سياسي وعسكري.
ومع تأكيد رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض أن الحشد «ليس مسؤولاً عن الفصائل المسلحة»، يبرز سؤال أكبر: هل يمثل هذا الفصل بداية لتقليص نفوذ الفصائل وإخضاع الحشد بصورة أكبر للقرار الحكومي، أم أنه محاولة لتحصين المؤسسة من تبعات معركة نزع السلاح؟
وتحمل تصريحات الفياض دلالة سياسية تتجاوز التوضيح القانوني، في وقت يضغط فيه ملف حصر السلاح لإعادة تعريف علاقة القوى المسلحة بالدولة. فالفصل بين الحشد والفصائل قد يعني أن الهيئة لا تريد تحمل مسؤولية أفعال مجموعات مسلحة تعمل خارج إطار القيادة العسكرية الرسمية، لكنه قد يشير أيضاً إلى محاولة لترسيم حدود أكثر صرامة بين المؤسسة التابعة للدولة والفصائل التي تتخذ قراراتها بصورة مستقلة.
واستبعد الفياض اندلاع اقتتال داخلي بعد انتهاء المهلة المحددة لحصر السلاح بنهاية سبتمبر/أيلول المقبل، وقال إن الأول من أكتوبر/تشرين الأول سيكون «يوماً جديداً» في العراق، مؤكداً رفضه وجود السلاح الظاهر بعد ذلك التاريخ.
وتكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة، إذ ظل ملف السلاح لعقود مرتبطاً بالتوازنات الأمنية والسياسية العراقية، وبوجود القوات الأميركية، فضلاً عن الصراع الإقليمي بين واشنطن وطهران. ويحاول الفياض، في هذا السياق، وضع الحشد في موقع مختلف عن الفصائل التي قد تجد نفسها مطالبة باتخاذ قرار بشأن مستقبل سلاحها.
وبحسب تصوره، فإن «شرعية السلاح اقترنت بوجود الاحتلال الأمريكي»، وبالتالي فإن انتهاء مرحلة الوجود الأميركي يفرض إعادة بناء معادلة القوة داخل العراق على أسس جديدة.
لكن هذه المعادلة لا تتعلق بالفصائل وحدها. فإذا كانت الدولة تريد فعلاً احتكار قرار الحرب والسلم، فإن السؤال يصبح: هل يكفي دمج الحشد في المؤسسات الرسمية لإخضاع قراراته بالكامل للسلطة السياسية والعسكرية للدولة؟
الحشد الشعبي ليس تشكيلاً عسكرياً تقليدياً. فقد نشأ في مرحلة استثنائية لعبت فيها فصائل مسلحة دوراً رئيسياً في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية، قبل أن يتحول إلى جزء من المنظومة الأمنية الرسمية. غير أن بقاء صلات سياسية وتنظيمية بين بعض مكوناته وقوى وفصائل خارج إطار القرار الحكومي أبقى مسألة استقلال القرار محل جدل.
وهنا تكمن المعضلة. فالحشد يرتبط قانونياً بالدولة، لكن تاريخ نشأته وتركيبته وعلاقات بعض مكوناته السياسية والإقليمية تجعل الفصل بين «الحشد كمؤسسة» و«الفصائل كقوى مستقلة» أكثر تعقيداً من مجرد قرار إداري.
ويحاول الفياض تأكيد هذا الفاصل عندما يقول إن الحشد «تجربة عراقية خالصة» وليس نسخة من الحرس الثوري الإيراني، وإنه قوة عسكرية مرتبطة بالقائد العام للقوات المسلحة ولا تمتلك قرار الحرب في العراق.
لكن اختبار هذا الموقف لن يكون في النصوص القانونية وحدها، بل في قدرة الحكومة على فرض تسلسل قيادة واضح، وضمان ألا تتخذ أي قوة مسلحة قراراً أمنياً أو عسكرياً بمعزل عن مؤسسات الدولة.
من هذه الزاوية، قد تكون معركة جمع السلاح بداية لمعركة أوسع عنوانها إعادة تعريف نفوذ الحشد داخل الدولة، لا إنهاء وجوده.
قد لا تكون الحكومة أمام خيار حل الحشد أو مواجهته، وإنما أمام مسار تدريجي يقوم على ضبط نشاطه، وتوحيد سلسلة القيادة، وربط القرار العسكري حصراً بالمؤسسات الرسمية، ومنع استخدام القوة في الصراع السياسي الداخلي.
ويمكن لهذا المسار أن يحافظ على الحشد كمؤسسة عسكرية رسمية، لكنه في الوقت نفسه يقلص المساحات التي تحركت فيها بعض الفصائل تاريخياً كقوى شبه مستقلة.
ومن هذه الزاوية أيضاً، يمكن قراءة تصريح الفياض بشأن عدم مسؤولية الحشد عن الفصائل باعتباره محاولة لتحديد المسؤوليات قبل الدخول في المرحلة الجديدة: الدولة مسؤولة عن قواتها الرسمية، أما الفصائل التي لا تخضع فعلياً لقيادتها فلا يمكن تحميل المؤسسة العسكرية الرسمية مسؤولية قراراتها.
ويبقى السؤال: هل يمثل هذا الفصل مناورة سياسية لحماية الحشد من تداعيات معركة حصر السلاح، أم أنه مقدمة لإعادة إخضاعه بصورة أكبر لقرار الدولة؟
ستتحدد الإجابة بقدرة الحكومة على تحويل المواقف السياسية إلى ترتيبات عملية. فحصر السلاح لا يعني فقط جمع الأسلحة الثقيلة أو منع ظهورها في الشوارع، وإنما يعني قبل كل شيء احتكار الدولة للقرار العسكري والأمني، وهو المسار الذي يتمسك به رئيس الحكومة في تصريحاته ولقاءاته.
وفي بلد أنهكته سنوات الصراع والتدخلات الإقليمية، قد يكون التحدي الأكبر هو الانتقال من صيغة «قوى مسلحة داخل الدولة» إلى صيغة «قوة الدولة التي تستوعب جميع القوى المسلحة».
ولذلك، قد لا يكون الأول من أكتوبر مجرد موعد لإنهاء مهلة حصر السلاح، بل اختباراً لنموذج الدولة العراقية نفسه: هل تنجح بغداد في تحويل الحشد من قوة تمتلك حضوراً مؤثراً داخل الدولة إلى مؤسسة تعمل بالكامل وفق قرارها، وتنجح في الوقت نفسه في فصلها عن الفصائل التي تحتفظ بقرارها الخاص؟
إذا نجحت الحكومة في ذلك، فقد تكون معركة السلاح بداية لاستعادة تدريجية لاحتكار الدولة للقوة. أما إذا بقيت الحدود بين الحشد والفصائل ملتبسة، فقد يتحول الفصل الذي تحدث عنه الفياض إلى مجرد إعادة توزيع للمسؤوليات، من دون تغيير جوهري في ميزان القوة.
العرب

