zagros news agency

تاريخ من الانحرافات وسوابق كارثية.. كيف دمّرت المحكمة الاتحادية التوازن العراقي؟

لا يحتاج العراقيون اليوم إلى أدلة إضافية كي يتأكدوا أن المحكمة الاتحادية العليا، أعلى سلطة قضائية في البلاد، صارت جزءاً من الأزمة وليس حلاً لها، فما جرى يوم الخميس الماضي، من استقالة 6 من أعضائها الأصليين مع 3 قضاة احتياط، هو تتويج لسلسلة من الانحرافات والتناقضات التي وضعت هذه المؤسسة على حافة الانهيار.

ولم تصدر المحكمة أي توضيح رسمي حتى اللحظة يفسر استقالة تسعة من قضاتها دفعة واحدة، لكن مصادر قضائية وبرلمانية أجمعت على أن السبب هو خلافات داخلية واحتجاجات على هيمنة رئيسها، القاضي جاسم العميري، الذي حاول ـ بحسب وثائق مسربة ـ جر المحكمة إلى صفقات الأحزاب وتصفية الحسابات السياسية.

المحكمة الاتحادية كانت تُسمّى «حامية الدستور»، لكنها تحولت منذ أعوام، بحسب كثيرين، إلى أداة مطواعة بيد قوى متنفذة داخل الإطار التنسيقي، تمرر القرارات حسب الطلب وتكسر النصوص متى شاءت، من عزل رؤساء برلمان، إلى تعطيل انتخاب رئيس الجمهورية في 2022، إلى تفسير النصاب بما يناسب طرفاً ويقصي آخر، وصولاً إلى التدخل العنيف في ملف إقليم كوردستان، بقرارات أطاحت بآليات الانتخابات و«كوتا الأقليات» وأربكت التوازن الدستوري بين بغداد وأربيل.

استقالة فضحت المستور

الخلاف الذي فجّر الوضع داخلياً كان ملف اتفاقية خور عبد الله، فبينما حاولت الحكومة الحالية تدارك تبعات حكم المحكمة الذي أبطل التصديق على الاتفاقية مع الكويت، أصر العميري على إبقاء الملف معلقاً، في وقت كشفت فيه أطراف نيابية عن ضغوط مباشرة من رئاسة الحكومة لإحياء الاتفاقية تجنباً لمواجهة دبلوماسية مع الكويت.

المدهش أن العميري لم يكتف بتعطيل القرارات، بل طلب رسمياً من رئيس البرلمان عقد اجتماع موسع لقادة الكتل لمناقشة مشاكل المحكمة الداخلية، وهي خطوة وصفتها الأوساط الدستورية بأنها «كارثة بحد ذاتها»، لأنها تسقط مبدأ الفصل بين السلطات وتحول المحكمة إلى هيئة سياسية خاضعة لزعماء الكتل لا لحكم الدستور.

ورفض رئيس البرلمان الطلب، لتنفجر بعدها أزمة الاستقالات التي عطلت المحكمة فعلياً، بما فيها صلاحيتها الأخطر، وهي المصادقة على نتائج الانتخابات المقبلة.

تاريخ مثقل بالأخطاء

ومنذ سنوات طويلة، ظلت المحكمة الاتحادية مثار جدل، فقادتها أنفسهم لم يتغيروا إلا قليلاً، وقوانين عملها ظلت خارج نصوص الدستور، تحكمها قرارات ارتجالية ولوائح انتقائية، أما أكبر فضيحة كانت تفسير المحكمة لنصاب جلسة انتخاب رئيس الجمهورية في 2022، حين أجبرت الأطراف السياسية على تحقيق ثلثي الحضور، وهو تفسير لا وجود له في أي محكمة دستورية بالعالم، وكان السبب المباشر لفشل التحالف الثلاثي الذي جمع حينها الصدر والديمقراطي الكوردستاني وتقدم.

ولاحقاً أطاحت المحكمة بعضوية شخصيات بارزة بدعاوى وثائق دراسية وتهم ملفقة أحياناً، مثلما حصل مع مشعان الجبوري الذي أكد مؤخراً أنه تلقى تهديداً مباشراً من العميري لإسقاط عضويته ما لم ينسحب من التحالف الثلاثي المناهض للإطار التنسيقي.

ولم يقتصر التلاعب على بغداد وحدها، ففي كوردستان، ألغت المحكمة «كوتا الأقليات» وعلقت مسار الانتخابات أكثر من مرة، ضاربة عرض الحائط بتوازن التمثيل المكوناتي الذي كرّسه الدستور الاتحادي.

فراغ دستوري خطير

واليوم، لا يملك العراق محكمة اتحادية كاملة النصاب، فاستقالة 9 قضاة تجعل من المستحيل عقد أي جلسة أو إصدار أي حكم، ورغم أن القانون يجيز لرئيس مجلس القضاء الأعلى التريث بقبول الاستقالة أو رفضها، إلا أن الأزمة أكبر من صلاحيات إدارية، إذ تكشف للعراقيين أن المحكمة نفسها لم تعد محل ثقة القضاة الذين يديرونها.

وبغياب المحكمة، ستتوقف المصادقة على نتائج الانتخابات البرلمانية المقبلة، وهي الخطوة الدستورية التي من دونها لا يمكن اعتبار النتائج نافذة، ما يعني عملياً دخول العراق في فراغ تشريعي إذا انتهت ولاية البرلمان الحالي ولم تُنجز المصادقة.

كما ستظل ملفات حساسة مثل اتفاقية خور عبد الله، وأزمة رواتب موظفي إقليم كوردستان، والقوانين التي تطعن في بعض التشريعات، كلها معلقة.

ويرى مختصون أن ما جرى هو انهيار فعلي لأهم ركيزة في منظومة التوازن العراقي بعد 2003، حيث بُني النظام على ثلاث سلطات، وهي تنفيذية وتشريعية وقضائية، وظل القضاء الدستوري في ظاهره «مستقلاً»، لكنه انكشف منذ سنوات بأنه الحلقة الأضعف التي يستخدمها الأقوى لتقويض خصومه.

غير مؤهلة للقيام بدورها

بدوره، قال الباحث السياسي محمد التميمي، إن «المحكمة الاتحادية لم تعد مؤهلة للقيام بدورها، وأي محاولات لإعادة تدوير الأسماء أو ترقيع الخلل الحالي لن تجدي نفعاً».

وأضاف لوكالة (باسنيوز): «ما لم تتحرك النخب السياسية لإعادة بناء المحكمة بقانون عصري وبقضاة أكفاء مستقلين فعلاً، فإن الوضع الحالي ينذر بانهيار آخر متوقع مع كل أزمة مقبلة”.

ولم تعد الأزمة داخل المحكمة الاتحادية شأناً قضائياً داخلياً، بل تحولت إلى أزمة دولة تواجه خطر شلل مؤسساتها وتعطيل انتخاباتها واهتزاز شرعية قراراتها، وكل ذلك – وفق مختصين – بسبب الرضوخ للضغوط.

بدوره، قال مستشار رئيس الوزراء للشؤون الدستورية، حسن الياسري، إنه «لا تأثير مباشراً لاستقالة أعضاء المحكمة الاتحادية العليا كلهم أو بعضهم في إجراء الانتخابات النيابية المقبلة، ويمكن إجراؤها من الناحية الدستورية المجردة في وقتها المحدد ولا طعن في شرعيتها».

وأضاف الياسري في تصريحات صحفية، أنه «لا تأثير لهذه الاستقالة مباشراً أو غير مباشر في بقاء الحكومة وشرعيتها أو في استمرار عمل مجلس النواب وشرعيته، وبالإمكان الخروج من هذا المأزق وحل المشكلة عبر ثلاثة آليات الأولى تتمثل برجوع المستقيلين عن استقالتهم، والثانية تتمثل باستقالة الأعضاء الآخرين لغرض تنفيذ المادة الأولى من قانون تعديل قانون المحكمة الاتحادية، والثالثة قيام مجلس النواب بتعديل القانون بغية إعادة تأليف المحكمة من جديد».

هەواڵی پەیوەندیدار

محققون أمميون يسابقون الزمن لتوثيق إبادة داعش للإيزيديين في العراق

کەریم

تغير المناخ يدفع 2024 لأن يكون العام الأكثر سخونة في التاريخ

کەریم

الولايات المتحدة تبدأ بتقليص وجودها العسكري في العراق

کەریم