يُعدّ ملا مصطفى بارزاني واحداً من أبرز الشخصيات السياسية في تاريخ العراق المعاصر، ليس فقط بوصفه قائداً للحركة التحررية الكوردية، بل أيضاً باعتباره شخصية إقليمية نسجت علاقات واسعة مع الدول العربية، وسعت – في مراحل مختلفة – إلى ترسيخ مفهوم الأخوّة العربية الكوردية ضمن إطارٍ من الاحترام المتبادل والاعتراف بالحقوق.
مدخل تاريخي
ولد ملا مصطفى البارزاني عام 1903 في بارزان، في مرحلة كانت المنطقة تمرّ بتحولات سياسية عميقة، من أواخر العهد العثماني إلى تأسيس الدولة العراقية الحديثة. وقد تزامن صعوده السياسي مع تشكّل الهويات الوطنية في العالم العربي، وبروز حركات التحرر القومي في العراق وسوريا ومصر وغيرها.
في هذا السياق، لم تكن علاقاته بالدول العربية هامشية، بل ارتبطت بطبيعة القضية الكوردية نفسها، باعتبارها قضية شعب يعيش ضمن حدود دول ذات غالبية عربية، وفي مقدمتها العراق.
ورغم تمسكه الواضح بالحقوق القومية للشعب الكوردي، لم يتبنَّ البارزاني خطاباً انعزالياً أو معادياً للعرب. بل كان يحرص في خطاباته على التأكيد أن الكورد والعرب “شعبان شقيقان”، يجمعهما الدين والجغرافيا والتاريخ المشترك. وقد انعكس هذا التوجه في مواقفه السياسية، حيث ميّز بين الخلاف مع أنظمة سياسية معينة، وبين العلاقة مع الشعب العربي.
هذا التفريق كان محورياً في تعزيز خطاب الأخوّة، إذ رفض تحويل الصراع السياسي إلى صراع قومي أو عرقي.
كانت علاقته مع الدولة العراقية، بوصفها دولة ذات أغلبية عربية وعضواً في الجامعة العربية، علاقة وثيقة مبنية على مبدأ الثقة و التعايش مع الشعب العربي رغم الخلافات السياسية مع الانظمة التي توالت على حكم العراق. وعلى الرغم من المواجهات المسلحة التي شهدتها بعض المراحل، فإن البارزاني ظل يعلن استعداده للحوار ضمن إطار الدولة العراقية.
بلغت هذه الرؤية ذروتها في اتفاقية 11 آذار 1970،التي أُبرمت بين القيادة الكوردية والحكومة العراقية برئاسة أحمد حسن البكر، وقد نصّت الاتفاقية على الاعتراف بالحقوق الثقافية والإدارية للكورد ضمن وحدة العراق.
ورغم أن الاتفاقية لم تُنفذ بالكامل لاحقاً، فإنها مثّلت محطة مهمة في تاريخ العلاقة العربية الكوردية، وأظهرت أن البارزاني كان يفضّل الحلول السياسية القائمة على الشراكة لا الانفصال.
وفي خضم تعزيز العلاقات مع الدول العربية، كانت خمسينيات وستينيات القرن العشرين، محطة مهمة لتعزيز تلك العلاقات، حيث كانت القاهرة بقيادة جمال عبد الناصر في تلك المرحلة تمثل مركز الثقل في العالم العربي. وقد اتسمت علاقة البارزاني بمصر بعلاقة متميّزة، نابعة من دور مصر بدعم القضية الكوردية وحقوق شعب كوردستان، باصدار اعداد من اول صحيفة كوردية باسم (كوردستان) في القاهرة وتخصيص برامج وفقرات باللغة الكوردية من خلال اذاعة صوت العرب التي كانت تابعة لإتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري.
وقد حاول البارزاني في أكثر من مناسبة إيصال رسالة مفادها أن المطالب الكوردية لا تتعارض مع التضامن العربي، بل يمكن أن تكون جزءاً من مشروع عدالة أوسع داخل الدول العربية متعددة القوميات.
كما كان للبارزاني علاقات مع بعض الدول العربية الأخرى و تواصلاً سياسياً وإعلامياً، خاصة في مراحل التوتر مع الحكومة المركزية في بغداد. فقد أقام علاقات مع شخصيات سياسية عربية، وكان حريصاً على شرح طبيعة القضية الكوردية باعتبارها قضية حقوق وليست مشروعاً لتفكيك الدول.
في لبنان، على سبيل المثال، وجد الإعلام الكوردي مساحة لعرض قضيته في بعض الفترات، مستفيداً من هامش الحرية السياسية هناك. أما في الأردن وسوريا، فقد كانت العلاقات تخضع لمعادلات إقليمية معقدة، تتداخل فيها الحسابات العراقية والعربية العامة.
كما شهدت فترة السبعينيات من القرن الماضي علاقات جيدة لقائد الحركة التحررية الكوردية، مع بعض دول الخليج التي كانت تتابع تطورات القضية الكوردية في العراق، خاصة في ظل الصراعات الإقليمية المتصاعدة. وعلى الرغم من أن العلاقات لم تكن معلنة دائماً، فإن هناك مؤشرات على وجود قنوات تواصل غير رسمية.
تميز خطاب البارزاني تجاه دول الخليج بالاعتدال، مع التأكيد على أن استقرار العراق يصب في مصلحة المنطقة كلها. وقد ساهم هذا الطرح في تخفيف المخاوف من أن تتحول القضية الكوردية إلى عامل عدم استقرار إقليمي.
يمكن تلخيص تأثير دور ملا مصطفى بارزاني على ترسيخ مفهوم الأخوّة العربية الكوردية في ثلاثة محاور رئيسية:
1- تكريس مبدأ الشراكة لا القطيعة
لم يطرح البارزاني مشروعاً عدائياً تجاه العرب، بل أكد أن الكورد شركاء في الوطن، وأن العلاقة يجب أن تقوم على الاعتراف المتبادل بالحقوق.
2- الفصل بين الأنظمة والشعوب
في أحلك ظروف الصراع المسلح، كان يوجّه خطابه ضد السياسات الحكومية، لا ضد الشعب العربي، ما حافظ على جسور التواصل المجتمعي.
3- إدخال القضية الكوردية في السياق العربي
من خلال حواراته ومراسلاته واتصالاته، ساهم في تعريف الرأي العام العربي بطبيعة المطالب الكوردية، مما مهّد لاحقاً لفهم أوسع للقضية في العقود التالية.
كما اتسمت شخصية البارزاني ببعد روحي واجتماعي أكسبه احتراماً حتى لدى خصومه. وقد انعكس ذلك في شهادات عدد من السياسيين العرب الذين وصفوه بأنه رجل مبدأ، يتمسك بوعوده ويبحث عن تسويات تحفظ الكرامة لجميع الأطراف.
إن هذا البعد الأخلاقي لعب دوراً في تعزيز الثقة، وهو عنصر أساسي في أي علاقة أخوّة بين مكوّنات مختلفة.
بعد وفاة البارزاني عام 1979، استمرت فكرة الأخوّة العربية الكوردية كجزء من الخطاب السياسي الكوردي، خاصة في إطار الدعوة إلى عراق اتحادي ديمقراطي. ويمكن القول إن الأسس التي وضعها في علاقاته العربية ساعدت لاحقاً في بناء تفاهمات سياسية جديدة بعد عام 2003.
اخيرا يمكن القول وبثقة عالية، إن علاقات ملا مصطفى بارزاني بالدول العربية تكشف عن شخصية سياسية أدركت مبكراً أن الجغرافيا تفرض التعايش، وأن الحقوق القومية لا تتناقض مع الانتماء الإقليمي الأوسع. وبينما شهدت مسيرته صراعات وتوترات، فإن خطابه العام ظل يؤكد على الأخوّة العربية الكوردية باعتبارها خياراً استراتيجياً، لاتكتيكاً مرحلياً.
لقد ترك البارزاني إرثاً سياسياً يقوم على فكرة أن العدالة بين القوميات داخل الدولة الواحدة هي الطريق الأمثل للاستقرار، وأن الحوار – مهما طال الصراع – يظل السبيل الأقرب لترسيخ علاقات أخوية حقيقية بين العرب والكورد.

