أكد وزير الخارجية والمالية العراقي الأسبق، والقيادي في الحزب الديمقراطي الكوردستاني، هوشيار زيباري، أن إنهاء مهمة التحالف الدولي في العراق لا يعني بأي حال من الأحوال انتهاء النفوذ والشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، محذراً من أن العراق لا يمكنه العيش بمعزل عن النظام المالي العالمي الخاضع لسيطرة واشنطن.
وكشف زيباري، في مقابلة خاصة مع “الحرة”، عن تفاصيل زيارة غير معلنة أجراها إلى العاصمة السورية دمشق لترطيب العلاقات بين بغداد والحكومة السورية، كما أكد وجود عناصر وقيادات من جماعة الحوثي اليمنية في العراق سقط بعضهم في ضربات جوية أخيرة إلى جانب مستشارين إيرانيين.
فنّد زيباري ما تروّج له بعض الأطراف حول “طرد القوات الأمريكية” أو اعتباره “عيداً للسيادة”، مشدداً على أن قوات التحالف الدولي لم تأتِ كقوة احتلال بل بناءً على طلب رسمي من الحكومة العراقية عام 2014 لصد خطر تنظيم “داعش”.
وأوضح أن اتفاق إنهاء مهمة التحالف في أيلول/سبتمبر 2025 و2026 تم بالتفاهم والتراضي المشترك، مضيفاً:
“خروج القوات العسكرية لا يعني خروج النفوذ الأمريكي السياسي والدبلوماسي والاقتصادي والأمني. العراق ملزم ومحكوم باتفاقية الإطار الاستراتيجي، ولا توجد دولة في العالم تستطيع العيش خارج النظام المالي العالمي الذي تتحكم فيه أمريكا؛ فشحنات الدولار إن توقفت سينهار السوق العراقي في ساعات”.
وفي ملف حصر السلاح، ميّز زيباري بين السلاح الخفيف الموجود في غالبية المنازل العراقية، وبين السلاح الثقيل والمتوسط (كالطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية)، مشدداً على أن هذا الأخير هو الذي يشكل التهديد الحقيقي لسيادة الدولة واقتصادها.
وأشار زيباري إلى أن استهداف دول الجوار أو مصالح استراتيجية وشركات نفطية في إقليم كوردستان انطلاقاً من الأراضي العراقية (كما ثبت في تحقيقات حكومية سابقة باستهداف منشآت نفطية سعودية بطائرات مسيرة انطلقت من محافظة ميسان) يمثل استخداماً للعراق كـ “منصة لتصفية حسابات الآخرين”، وهو ما ينعكس بالضرر المباشر على مصالح العراقيين واستقرارهم.
وفي تصريح لافت، أكد زيباري صحة الأنباء التي تحدثت عن وجود عناصر تابعة لجماعة “أنصار الله” (الحوثيين) في العراق، مشيراً إلى أن الضربات الجوية الأمريكية الأخيرة (أواخر تموز/يوليو) استهدفت موقعاً يضم مستشارين إيرانيين وقيادات حوثية متخصصة بالطائرات المسيرة والصواريخ، مؤكداً أن تشييع القتلى عُرض علناً على شاشات التلفزة العراقية والإيرانية، ضمن ما يُعرف بـ “تنسيقية المقاومة” و”وحدة الساحات”.
وكشف زيباري عن قيامه بزيارة غير معلنة إلى دمشق في حزيران/يونيو الماضي، ولقائه بمسؤولين سوريين، موضحاً أن الزيارة أسهمت في فتح قنوات التواصل وإزالة الجليد بين بغداد ودمشق قبل زيارة وزير الخارجية فؤاد حسين ولقاءات نيويورك.
وأكد زيباري أن سوريا أبدت رغبة حقيقية في بناء علاقات إيجابية وطبيعية وتكامل اقتصادي مع العراق، لافتاً إلى الأهمية الجيو-اقتصادية لدمشق كمنفذ استراتيجي لتصدير النفط العراقي عبر ميناء بانياس، لتقليل الاعتماد المطلق على مضيق هرمز الذي قد يؤدي إغلاقه في أي مواجهة إقليمية إلى “شلل مالي مرعب للعراق” المعتمد بنسبة 95% على إيرادات النفط. كما دعا إلى تنويع خطوط التصدير عبر الأردن (أنبوب حديثة – العقبة) وتركيا (ميناء جيهان).
وعن المخاوف من تنامي خطر تنظيم “داعش” مجدداً بعد انسحاب التحالف، لفت زيباري إلى أن القلق الكوردي وتصريحات الرئيس مسعود بارزاني في هذا الصدد تنبع من “تجارب تاريخية مريرة” مع الإبادة والتهجير (من حملات الأنفال والكيماوي عام 1988، مروراً بالهجرة المليونية 1991، وصولاً إلى فاجعة الإيزيديين في سنجار عام 2014 حين تفرّج العالم لأسابيع).
وأوضح أن الإقليم يتمتع حالياً بحماية قوات البيشمركة وتنسيق أمني وعسكري واستخباري “ممتاز” مع الحكومة الاتحادية، مشيراً إلى أن المتغيرات في سوريا واستقرار مؤسسات الحكم فيها يقلل اليوم من مخاطر تسلل الإرهاب مقارنة بعام 2014.
وحول إمكانية التطبيع بين بغداد وتل أبيب، شدد زيباري على أن هذا الموضوع “قرار سيادي للدولة العراقية ومؤسساتها التشريعية والتنفيذية”، مؤكداً أنه لا يروج للتطبيع، لكنه أشار إلى أن المنطقة برمتها تمر بمرحلة تحول تاريخي وصيرورة لم تكتمل بعد، مشدداً في الوقت ذاته على أن علاقات العراق مع جيرانه، وتحديداً إيران وتركيا، يجب أن تُبنى على أساس “دولة لدولة” ومصالح مشتركة واحترام متبادل، على غرار علاقته المطلوبة مع واشنطن.

