تعمل القوى السياسية العراقية المعنية باختيار رئيس للوزراء تحت ضغط الوقت والظروف الاقتصادية والأمنية المعقدة إقليميا ودوليا والتي ألقت بظلالها على الوضع الداخلي للعراق لاستكمال هذا الاستحقاق الدستوري المعطّل منذ ظهور نتائج الانتخابات البرلمانية التي أجريت في نوفمبر الماضي وذلك بسبب الخلافات العميقة والصراعات الشرسة داخل البيت السياسي الشيعي للفوز بالمنصب التنفيذي الأهم في هرمية قيادة الدولة العراقية.
وبعد التمكّن من تعيين نزار آميدي رئيسا للجمهورية السبت الماضي باتت مهلة نصف الشهر التي يتعيّن اختيار رئيس للحكومة خلالها تضيق بسرعة فيما الخلافات على من يتولّى المنصب ما تزال قائمة بفعل تمسّك رئيس الوزراء الأسبق زعيم حزب الدعوة الإسلامية وقائد ائتلاف دولة القانون نوري المالكي بعدم سحب ترشّحه رغم الاعتراض الأميركي الصريح على شخصه ومخاوف القوى السياسية من تبعات فوزه بالمنصب مجدّدا على مصالح حيوية تربط بغداد بواشنطن.
وأدت الخلافات إلى تأجيل اجتماع كان الإطار التنسيقي الجامع لأبرز الأحزاب والفصائل الشيعية قد قرر عقده الأربعاء للنظر في قضية الترشيح لمنصب رئيس الحكومة.
وقالت مصادر سياسية مطلعة على كواليس قوى الإطار إنّ المالكي وائتلافه أصبحا متيقنين من ضعف حظوظ رئيس الوزراء الأسبق في العودة مجددا إلى رئاسة الحكومة، وإن هدف الرجل تحوّل من الفوز بالمنصب إلى حرمان غريمه رئيس الوزراء الحالي محمّد شياع السوداني من ولاية ثانية لإفساح المجال أمام أحد المقربين من المالكي نفسه للإمساك بزمام السلطة التنفيذية بما يضمن لزعيم ائتلاف دولة القانون الحفاظ على مكانته السياسية وحصانته ضدّ أي إمكانية للمحاسبة على هدر أموال الدولة وإضعاف مؤسساتها بما في ذلك مؤسستها الأمنية والعسكرية.
وعلى هذه الخلفية برز اسم باسم البدري القيادي في حزب الدعوة ورئيس الهيئة العليا للمساءلة والعدالة في العراق كمرشّح ضمن قائمة مختصرة مطروحة للنقاش أمام الإطار التنسيقي وتضم أيضا كلا من السوداني والمالكي الذي يبدو أنّه يحضر ضمنها في دور “أرنب السباق” فقط لتقوية حظوظ البدري على حساب السوداني.
ونقلت شبكة رووداو الإعلامية عن النائب في ائتلاف دولة القانون حسين علي مردان قوله إنّ الائتلاف بات يطرح شرطا جديدا لسحب ترشيح المالكي وهو موافقة ثلثي حلفائه على انسحابه من الترشح.
وأوضح النائب أنّ “هذا هو الإجراء القانوني الصحيح، أما المالكي فلن ينسحب شخصيا، لأنه منتخب من قبل قادة الإطار التنسقي”.
وأكّد ذلك النائب عن منظمة بدر غريب عسكر بقوله إنّ المالكي مصر على الترشيح، وقد تم تكليفه من قبل الإطار التنسيقي المعني بالإبقاء على ذلك الترشيح وسحبه.
ومن جهته تحدّث مصدر سياسي عن خلافات داخل الإطار قال إنّها تطورت إلى انشطار فعلي داخل التحالف إلى ثلاثة أجنحة رئيسية.
وبحسب ذات المصدر الذي نقلت عنه وكالة شفق نيوز الإخبارية فإن الجناح الأول يتمسك بترشيح نوري المالكي أو أي شخصية تحظى بدعمه الصريح من بين الأسماء المطروحة، فيما يدفع جناح ثان باتجاه إعادة تسمية رئيس حكومة تصريف الأعمال محمد شياع السوداني، في حين يفضّل الجناح الثالث الذهاب إلى مرشح تسوية يمكن أن يحظى بقبول أوسع داخل البيت الشيعي وخارجه.
وكان الإطار التنسيقي المؤلّف من أحزاب شيعية مقرّبة من طهران ويشكّل أكبر كتلة برلمانية، أعلن في يناير الماضي ترشيح المالكي لخلافة محمد شياع السوداني على رأس الحكومة، غير أن واشنطن هددت بوقف دعم بغداد في حال عودة المالكي إلى قيادة الحكومة كونه بحسب واشنطن طائفي وداعم للميليشيات الموالية لطهران.
وهاجم الرئيس الأميركي ترامب المالكي بالاسم وقال إنّه فاشل في قيادة الحكومة ببلاده وهدد بوقف أي تعاون مع بغداد في حال أعيد إلى رئاسة الحكومة.
وأثار ذلك إرباكا في الأوساط السياسية العراقية، التي تعلم أهمية وحيوية العلاقة مع واشنطن أمنيا واقتصاديا وعدم إمكانية فك الارتباط معها.
وعلى الرغم من ذلك ظلّ الموقف الرسمي المعلن من قبل المالكي وائتلافه دولة القانون هو عدم الاستجابة للضغوط الأميركية والإصرار على الترشح لرئاسة الوزراء لولاية ثالثة.
وكثيرا ما يوصف الرجل بأنّه مهووس بالسلطة بحيث لا يريد الاعتراف بفشله في قيادة البلاد، بينما تقول مصادر عراقية إنّ المالكي يخشى المحاسبة على الفساد وهدر الأموال وإغراق البلاد في مشاكل أمنية تسببت بمقتل الآلاف، في حال ضعُف سياسيا وأفلت زمام السلطة من يده.
وأضيفت الى التعقيدات السياسية في العراق، الحرب التي أطلقتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران آخر فبراير الماضي، وطالت العراق الذي يجهد منذ أعوام لتحقيق توازن في علاقاته مع القوتين النافذتَين، واشنطن وطهران.
وخلال تلك الحرب تعرّضت مقار للحشد الشعبي ولفصائل عراقية مسلحة موالية لطهران لغارات منسوبة للولايات المتحدة وإسرائيل، فيما استهدفت هجمات تبنتها فصائل عراقية المصالح الأميركية، ونفّذت إيران ضربات ضد مجموعات إيرانية كردية معارضة في شمال العراق.
واتهمت واشنطن بغداد بالعجز عن منع الهجمات ضد مصالحها، فيما أكّدت الحكومة التزامها بحماية كل المقيمين على أراضيها والبعثات الدبلوماسية.
العرب

