في تاريخ الشعوب محطات لا تُقاس بنتائجها الآنية، بل بما تتركه من أثرٍ في الوعي الجمعي والذاكرة الوطنية. واستفتاء كوردستان الذي جرى في الخامس والعشرين من أيلول عام 2017 كان إحدى تلك المحطات الفارقة التي تجاوزت حدود السياسة اليومية لتتحول إلى رمزٍ لإرادة شعبٍ اختار أن يعبّر عن تطلعاته عبر الوسائل الديمقراطية والسلمية.
ذلك اليوم لم يكن مجرد استحقاق انتخابي عابر، بل كان يوماً وقف فيه ملايين الكورد أمام صناديق الاقتراع ليؤكدوا أن لهم صوتاً ورؤيةً ومستقبلاً يريدون المشاركة في رسمه بأنفسهم. لقد كان الاستفتاء بالنسبة إلى كثير من أبناء كوردستان تعبيراً عن تطلع قومي متجذر في التاريخ، وعن رغبة في ضمان الحقوق والهوية والكرامة بعد عقود طويلة من الصراعات والتحولات السياسية التي شهدتها المنطقة.
فعلى امتداد القرن الماضي، عاش الشعب الكوردي بين آمالٍ كبيرة وانتكاساتٍ مؤلمة. فقد وجد نفسه في قلب صراعات إقليمية ودولية متلاحقة، ودفع أثماناً باهظة في سبيل الحفاظ على هويته ووجوده الثقافي والقومي. ورغم اختلاف الظروف السياسية بين بلد وآخر، بقيت القضية الكوردية واحدة من أبرز القضايا القومية التي ما زالت تبحث عن حلول عادلة ومستدامة تضمن الحقوق وتحفظ الاستقرار.
وفي العراق، كان للكورد دور محوري في صناعة التحولات السياسية الحديثة. فقد شاركوا في بناء النظام الاتحادي بعد عام 2003، وساهموا في ترسيخ مبادئ التعددية والشراكة السياسية، وقدموا نموذجاً للتعايش بين مختلف المكونات القومية والدينية. ومع ذلك، بقيت العديد من الملفات العالقة والتحديات السياسية مصدر قلق دائم لدى قطاعات واسعة من المجتمع الكوردي، الأمر الذي جعل الاستفتاء يُنظر إليه باعتباره وسيلة ديمقراطية للتعبير عن رؤية سياسية للمستقبل.
وفي هذه اللحظة التاريخية، برز الرئيس مسعود بارزاني كأحد أكثر الشخصيات ارتباطاً بهذه المحطة. فالرجل الذي ورث إرثاً طويلاً من النضال السياسي والقومي، لم يكن يتحدث عن الاستفتاء بوصفه مشروعاً شخصياً أو حزبياً، بل باعتباره حقاً للشعب في أن يعبّر عن إرادته بحرية. ومن هذا المنطلق، تمسك بإجراء الاستفتاء رغم حجم الضغوط والتحديات التي أحاطت به، انطلاقاً من قناعته بأن إرادة الشعوب لا ينبغي أن تبقى رهينة حسابات الآخرين.
لقد ارتبط اسم مسعود بارزاني، بالنسبة لكثير من الكورد، بالدفاع عن الحقوق القومية لشعبه في مختلف المحطات المصيرية. فمن جبال كوردستان إلى المحافل الدولية، ظل حاضراً في المشهد السياسي باعتباره صوتاً يطالب بالاعتراف بالهوية الكوردية وحقوقها المشروعة، ويؤكد أن السلام والاستقرار الحقيقيين لا يمكن أن يتحققا من دون العدالة والاحترام المتبادل بين الشعوب والمكونات.
وربما كانت إحدى أهم رسائل استفتاء كوردستان أنه نقل القضية الكوردية من لغة الصراع إلى لغة صناديق الاقتراع. فبدلاً من أن تتحدث البنادق، تحدث المواطنون. وبدلاً من أن يُعبّر عن المواقف في ساحات المواجهة، عُبّر عنها عبر ورقة انتخابية وضعت في صندوق اقتراع. وهذه بحد ذاتها رسالة سياسية وحضارية بالغة الأهمية في منطقة ما زالت تعاني من أزمات وحروب وصراعات متكررة.
وبعد سنوات من ذلك الحدث، قد تختلف التقييمات السياسية حول نتائجه وتداعياته، لكن ما يصعب إنكاره هو أن الاستفتاء أصبح جزءاً من الذاكرة الوطنية الكوردية. فهو بالنسبة إلى كثيرين ليس مجرد حدث سياسي وقع وانتهى، بل رمز لإرادة جماعية عبّرت عن نفسها بوضوح، ورسالة أكدت أن الشعوب مهما واجهت من تحديات لا تتخلى عن تطلعاتها ولا تنسى حقوقها.
وفي ذكراه السنوية، يستذكر الكورد يوماً اعتبروه يوماً للإرادة الوطنية، ويستحضرون مسيرة طويلة من التضحيات والنضال والعمل السياسي. كما يستحضرون حقيقة أن الحقوق تُصان بالحوار والديمقراطية والتمسك بالمبادئ، وأن مستقبل المنطقة لا يمكن أن يبنى على إنكار الهويات أو تهميش الشعوب، بل على الشراكة والعدالة والاحترام المتبادل.
لقد كان استفتاء كوردستان أكثر من مجرد تصويت؛ كان صوت أمة أرادت أن تُسمِع العالم رؤيتها لمستقبلها. وصوت الأمم قد يتعرض للضغوط، وقد يواجه العقبات، لكنه يبقى حاضراً ما دامت هناك إرادة تؤمن بحقها في الحرية والكرامة والتعبير السلمي عن تطلعاتها.

