zagros news agency

كل موازنة عراقية تبدأ بحرب على كوردستان من استحقاق الشراكة إلى معركة الاتهامات.. أزمة تتجدد كل عام بين بغداد وأربيل..مهند محمود شوقي

مع اقتراب إعداد كل موازنة اتحادية في العراق، يتجدد المشهد ذاته: خلافات مالية بين بغداد وأربيل، وتصريحات متبادلة، واجتماعات تفاوضية تتقدم أحياناً وتتراجع أحياناً أخرى، بالتزامن مع موجة من الخطاب الإعلامي الذي يضع إقليم كوردستان في دائرة الاتهام، وكأن الأزمة المالية العراقية تبدأ من الإقليم وتنتهي عنده.

لم تعد هذه الصورة مجرد انعكاس لخلاف فني حول الإيرادات والنفقات وآليات التمويل؛ فقد تحولت، مع تكرارها، إلى نمط سياسي وإعلامي يسبق المفاوضات أو يرافقها. تتصاعد الاتهامات بشأن النفط والإيرادات غير النفطية والرواتب والمنافذ الحدودية، وتُطرح أسئلة مشروعة في أصلها، لكنها كثيراً ما تُقدَّم ضمن خطاب انتقائي يعزل التزامات الإقليم عن التزامات الحكومة الاتحادية، ويختزل علاقة دستورية معقدة في رواية أحادية تصور كوردستان بوصفها الطرف المطالب دائماً بالتبرير.
لا يعني ذلك أن أداء حكومة الإقليم خارج المساءلة، أو أن ملفات النفط والإيرادات والشفافية لا تستحق النقاش والتدقيق. فالمساءلة حق عام، وينبغي أن تشمل جميع المؤسسات من دون استثناء. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول المساءلة إلى حملة موسمية، وعندما تُستخدم الملفات المالية لتغذية موقف سياسي مسبق، بدلاً من معالجتها وفق القانون والبيانات والاتفاقات الملزمة للطرفين.

منذ السنوات الأولى للنظام الاتحادي بعد 2003، ارتبطت حصة إقليم كوردستان في الموازنة بتفاهمات مالية وسياسية، من بينها نسبة 17% التي استُخدمت أساساً في مراحل متعددة، قبل أن تتغير آليات الاحتساب والنقاش بشأنها. ومن المهم التمييز هنا بين هذه النسبة بوصفها تفاهمًا مالياً تاريخياً وبين النص الدستوري؛ فالدستور العراقي، ولا سيما المادة 121، يتحدث عن حصة عادلة من الإيرادات الوطنية تراعي موارد الإقليم واحتياجاته ونسبة السكان، ولا يثبت نسبة 17% رقماً دستورياً دائماً.
غير أن هذا التمييز لا يمنح أي طرف حق التنصل من مبدأ الشراكة أو تحويل الخلاف على آلية الاحتساب إلى وسيلة لتعطيل الحقوق. فالعلاقة بين بغداد وأربيل ليست علاقة حكومة مركزية بمحافظة تابعة لها، بل علاقة بين سلطتين في دولة اتحادية، تحكمها نصوص دستورية واتفاقات والتزامات متبادلة. وأي معالجة مالية تتجاهل هذه الحقيقة ستعيد إنتاج الأزمة، مهما تغيرت الحكومات أو تبدلت أرقام الموازنات.

في عام 2014، وصلت الخلافات إلى مرحلة خطيرة مع توقف التحويلات المالية إلى الإقليم، في سياق النزاع بشأن النفط والإيرادات. ولم يكن لذلك أثر سياسي فحسب، بل انعكاسات مباشرة على رواتب الموظفين والخدمات والاستقرار الاقتصادي. ومنذ ذلك الوقت، بقيت الموازنة إحدى أكثر ساحات الخلاف حساسية، حتى باتت كل دورة مالية جديدة تستحضر أزمات السنوات السابقة بدلاً من أن تقدم حلاً مؤسسياً ينهيها.
وجاء التعداد العام للسكان في تشرين الثاني 2024 ليضيف بعداً جديداً إلى هذا الخلاف. فقد أعلنت وزارة التخطيط الاتحادية أن البيانات الخام أظهرت نسبة سكانية لإقليم كوردستان بلغت 14.14%، قبل أن تظهر نسبة 12.68% بعد تطبيق ما سُمّي بمصفوفة الهجرة. والفارق بين الرقمين ليس تفصيلاً حسابياً عابراً؛ إنه 1.46 نقطة مئوية، وله أثر محتمل في توزيع الموارد والإنفاق العام. لذلك فإن السؤال لا يتعلق برقم يفضله هذا الطرف أو ذاك، بل بالأساس الإحصائي والقانوني الذي ينبغي اعتماده، وبمدى اتساقه مع واقع السكان والنازحين والمهجرين وحقوق المواطنين.

أما الأرقام المتداولة بشأن مشروع موازنة 2027، فتفتح باباً آخر للنقاش. فقد أشارت تقارير تناولت مسودة المشروع إلى نفقات تقارب 217 تريليون دينار وإيرادات بنحو 174 تريليوناً، مع تخصيصات للإقليم قُدرت بنحو 13.3 تريليون دينار، فضلاً عن أرقام استثمارية أقل مما خُصص في سنوات سابقة. وهذه أرقام تخص مسودة متداولة، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها قانوناً نافذاً أو تخصيصات نهائية قبل استكمال الإجراءات التشريعية وإقرار الموازنة. لكنها تكشف، في الوقت نفسه، أهمية إخضاع الأرقام للنقاش العلني، وبيان أسس احتسابها، وما يدخل فيها من نفقات والتزامات.

وفي تقرير نشرته دائرة الإعلام والمعلومات في حكومة إقليم كوردستان في أيلول 2026، ورد أن متوسط التحويلات الفعلية إلى الإقليم خلال الأعوام 2019–2025 بلغ 3.31% من إجمالي الموازنة الاتحادية، مقابل نسبة مقررة بلغت 12.67%. وهذه بيانات صادرة عن مؤسسة حكومية في الإقليم، ومن حق القارئ أن يعرف مصدرها وأن تُتاح تفاصيلها للتدقيق والمقارنة مع البيانات الاتحادية. لكن تجاهلها، كما أن اعتمادها من دون فحص، لا يخدم الوصول إلى الحقيقة. المطلوب نشر الحسابات المتقابلة، وتحديد ما أُقر وما حُوّل وما استُقطع، وأسباب كل فرق.

وتزداد خطورة المشهد عندما تنتقل هذه الملفات من غرف التفاوض والمؤسسات المختصة إلى منصات الإعلام، حيث تتسع الاتهامات وتضيق مساحة التفسير. فبدلاً من أن يعرف المواطن مقدار ما خُصص للإقليم، وما وصل فعلياً، وما التزم به في ملف النفط والإيرادات، يجد نفسه أمام سجال يتكرر فيه الحديث عن الامتيازات والعبء والتهرب، من دون عرض الصورة المالية الكاملة. وفي المقابل، لا يجوز أن تتحول وسائل الإعلام في الإقليم إلى منصات تكتفي بترديد المواقف الرسمية؛ فالمهنية تقتضي مساءلة حكومة الإقليم أيضاً، تماماً كما تقتضي مساءلة الحكومة الاتحادية.

إن أخطر ما في هذه الدورة السنوية هو أنها تجعل المواطن الكوردي يشعر بأن حقوقه المالية موضع تفاوض متكرر، فيما يشعر المواطن العراقي في المحافظات الأخرى بأنه يُدفع إلى النظر إلى الإقليم باعتباره سبباً في أزماته الاقتصادية. وهكذا تتسع المسافة بين المواطنين، بينما تبقى أسباب الخلاف الحقيقية من دون معالجة جذرية. فالرواتب ليست امتيازاً سياسياً، والإيرادات العامة ليست ملكاً لحكومة بعينها، والحقوق الدستورية لا ينبغي أن تتحول إلى أوراق ضغط في كل موسم تفاوضي.
لا يحتاج العراق إلى موازنة جديدة تحمل الخلافات القديمة نفسها، ولا تحتاج كوردستان إلى الدخول في معركة إعلامية جديدة كي تثبت أنها جزء من الدولة الاتحادية. ما يحتاجه الطرفان هو اتفاق مالي واضح وشفاف، يحدد آليات احتساب الحصة السكانية، وتسليم الإيرادات، وإدارة ملف النفط، والتحويلات الشهرية، وطرق معالجة الخلافات، مع نشر البيانات أمام الرأي العام وإخضاعها للرقابة.

فالدولة الاتحادية لا تُقاس بقدرتها على فرض رواية طرف على آخر، بل بقدرتها على حماية الشراكة وضمان الحقوق وتنفيذ الالتزامات. وإذا كانت الموازنة تُعد سنوياً لتنظيم موارد الدولة ونفقاتها، فلا ينبغي أن تتحول إلى موعد سنوي لإعادة فتح النزاع على مكانة كوردستان وحقوق مواطنيها.
المشكلة ليست أن كوردستان تطالب بحصتها، ولا أن بغداد تطالب بتدقيق الإيرادات؛ المشكلة أن الخلاف لم يتحول بعد إلى قواعد ثابتة تحكم الطرفين، وأن الموازنة ما زالت تُستقبل في كل عام بخطاب اتهامي يسبق الأرقام، ويهدد الشراكة قبل أن تبدأ المفاوضات.

هەواڵی پەیوەندیدار

القتل بالخبر.. الإعلام العربي وصناعة رواية مفبركة…ماهر حسن

کەریم

التفاوض الوطني الداخلي… فاضل ميراني

کەریم

في ذكرى 43 عاما على أنفال وجينوسايد البارزانيين .. عندما يصبح الاب ذكرى على الجدار… فيصل صادق توفيق

کەریم