من يتابع عن كثب ما يحدث حاليا في العراق، يستنتج أنه عبث مفضوح يُدار خلف الكواليس عبر الخطاب العنصري والسلوك الإقصائي والممارسات التمييزية الواضحة، إضافة إلى التهم الفضفاضة التي تُوجَّه إلى كل من يرفض الهدم والممارسات الانتقائية أو يعترض على توزيع التهم ويدعو إلى البناء. ويستحضر أمامه بيت الشعر القديم: “متى يبلغُ البنيانُ يومَ تمامِهِ/ إذا كنتَ تبنيهِ وغيرُكَ يهدِمُ“. ويرى أن ما تسمى “الدولة – التي لا تقوم إلا على الورق”، ليست سوى اتفاق بين القوى السياسية، وليست كيانًا ثابتًا يحتكم إليه الجميع.
الهدم الصامت لا يبدأ من الشارع، ولا من إعلان لإسقاط النظام، ولا يأتي على شكل انهيار مفاجئ، ولا يحدث كصدمة واحدة تُنهي كل شيء. الهدم يبدأ من الفكرة التي بدأت تختفي قبل أن تختفي الدولة نفسها؛ الدولة التي لا تُدار كدولة، والتي فقدت معناها وصفتها كمرجعية، وتحول كل ما فوقها إلى هياكل قائمة بلا مضامين، ونتائج مؤقتة لموازين القوة.
للهدم مسار طويل، لكنه ضبابي غير واضح، هادئ أحيانًا وصاخب أحيانًا أخرى، لكنه في كل الأحوال ثابت الخطى، يتقدم دون أن يثير الذعر الكافي لإيقافه. وهنا لا تكمن المأساة في غياب من يحاول منعه، بل في كثرة من يتقنون الهدم، أحيانًا عن قصد وأحيانًا تحت عناوين أخرى، وفي تداخل الأدوار فيه، حيث أصبح من يهدم هو نفسه من يتحدث عن البناء.
جزء كبير من الطبقة السياسية لا يمارس دور البناء، بل يتقن فن الإضعاف؛ القانون أصبح وجهة نظر، والسيادة أصبحت قابلة للتفاوض. لا شيء يُحل، كل شيء يُدار. ولا شيء يُبنى، كل شيء يُرحّل. بعض القوى السياسية لم تعد ترى في الدولة مشروعًا، بل ساحة: ساحة نفوذ، ساحة تقاسم، ساحة تسجيل نقاط.
أما الدستور، الذي لا يحمي نفسه بنفسه، فقد أصبح معطلا وقابلا للتأويل والتفسير في غياب الإيمان به، فلم يعد نصًا يُحتكم إليه، وفقد قيمته كمرجع ووظيفته كضابط للنظام، وتحول إلى أداة بيد من يملك القدرة على تفسيره وفق مصلحته. مبادئه تُستخدم حين تخدم، وتُهمل حين تُقيّد، ونصوصه تُفتح عند الحاجة وتُغلق عند التعارض مع المصالح.
القانون في العراق ليس سيدًا، بل تابع. المؤسسات تعمل لكنها لا تحكم، القرارات تُتخذ لكنها لا تُنفذ، وكل شيء يفقد معناه تدريجيًا.
في ظل هذا الواقع المؤلم، ليس السؤال: من يُخالف الدستور؟ بل: هل ما زال هناك دستور فعلي يُخالف؟ نحن ننتظر عقوبات، عزلة دولية، ضربات موضعية، استنزافًا اقتصاديًا، وإرباكًا داخليًا، ونخبًا سياسية منقسمة، وإنهاكًا يسبق لحظة التحول دون الذهاب إلى حرب. أما القوى الخارجية فلا تحتاج إلى التدخل لإسقاط مباشر للنظام، بل تراقب كيف يبدأ الهدم الداخلي بأيدي من يُفترض أنهم جزء من عملية البناء، سواء بخطاب يبرر وجود السلاح المنفلت، أو بالصمت الذي يغطيه، أو بالتواطؤ الذي يمنحه شرعية غير معلنة، أو بتحويل الأزمات إلى أدوات صراع لا حلول لها.
في النهاية التي أراها، وأتمنى أن أكون مخطئًا، أن لحظة اكتمال الهدم تقترب، دون أن يكون هناك اتفاق على ما يجب بناؤه بعده. وحينها لن يكون السؤال: من أسقط؟ بل: من يملك الشجاعة ليبني؟

