36 سنة مرّت على إعلان ذلك الخبر الذي رسم منحنى منحدراً لمسيرة نظام البعث في العراق، وأغلب أنظمة الحكم في العراق مأزومة، بعضها سيطر على أزمته، وآخرون تفجرت بهم أزمات من صنعهم.
كان الهشيم قد أكل من العراق ثماني سنوات، ومعها وقبلها سنوات من الحرب معنا، وخصومات حد التذابح مع السوريين، وعلاقات لم تستقر مع الأردن إلا قليلاً، فيما كانت السعودية وأكثر دول الخليج تترقب بريبة خطوات النظام، وكان أن صدق حدسها، فقد اندفع تحت ضغط تضخمه العسكري والأمني نحو الكويت، فكان أن وقع تحت أنياب المجتمع الدولي، وبدأ الحصار، ولم يراجع نفسه، بل صار يتخبط للبقاء، ولم تفارقه سياسة التهديد حتى وهو في أضعف حالاته، في واحدة من أكثر المشاهد تراجيديا في الأداء والسياسة.
اكتوت الكويت بنار السياسة العراقية، وكشفت عملية الاجتياح ماهية العقل الحاكم، وعدم فهمه لعواقب خطواتٍ فعلُها أتى على مستقبل العراق، فآذته، وكتبت نهايته مستعجلاً، محمّلاً بجرائم لا تُعد ولا تُحصى ولا يرتضيها ضمير سليم. كما كشفت سياساته عن عدم دراسته أو إهماله لفهم القانون الدولي في بقاء المسؤولية الدولية على الدولة المجرمة وإن تبدل النظام.
حارت الدعاية الرسمية بتبرير الاجتياح ثم زادت حيرتها في كيفية إقناع المحيط المجتمعي بالجريمة، ثم تضاعفت الحيرة خلال المواجهة العسكرية فالانسحاب فدخول النفق المظلم الموحش الممتد من بدء الحصار حتى تم استكمال المشهد في المحاكمة أمام القضاء.
في الثاني من آب، أصبحت القناعة بكلامنا مطلقة، فلقد سبق وأن شخّصنا توجهات حكمٍ مستعد للعب بكل الأوراق لا في سبيل بقائه، بل في سبيل أن يثبت أنه مصيب والأخر خاطئ.
نظامٌ بُني على التصور لا على اليقين، نظامٌ يشترع لنفسه متناقض القوانين، ويصنع أولويات لا هو بحجمها ولا مستعد لتمامها، يرفع شعارات لا يؤمن بها هو، يفهم الأمن على أنه بطش، والقوة على أنها جيش، نظامٌ أساء حتى لعقيدته الحزبية ولفكره السياسي، بل قطع رقاب قيادات فيه لمجرد تصور عن خيانة.
نظامٌ باع أراضٍ ومياه للعراق، في سبيل اتفاقية خارجية، ثم مزقها ليدخل حرباً مع حربه ضدنا.
نظامٌ أحرق ثروات البلاد البشرية وتلاعب بالمجتمع فكراً وعيشاً، واختلق قوى مساندة له، وسارع للتراجع عن مجموعة امور قدّمها، ثم أقحم للقيادة أفراداً بقياسات الولاء، ثم تمردوا عليه.
جعل العراق دولة غير موثوقة، واشترى ذمم سياسيين دوليين تربحوا على حساب العراقيين.
ظلاله استمرت ولها مقلدون للأسف، إذ لم تزل أنفاس التجاهل والتعالي والمخاطرة وجر الخسران، أموراً نشاهد اليوم وجودها الذي يسيء للعراق والعراقيين أكثر، وهي إساءة مقترنة بتهديدات اقتصادية وأمنية.
لا يصح في السياسة الرشيدة والحكم المحنك أن يكرر الخلف ما صنع السلف من أفعال مدانة.
كلنا ضحية ذلك النظام، فلقد أعاد ارتكاب جرائمه التي اقترفها بحقنا على جيران العراق، فترك جروحاً يصعب أن تطيب بخاصة إذا ما كرر غيره أفعاله.

