أكد رئيس إقليم كوردستان، نيجيرفان بارزاني، اليوم السبت 10 تشرين الأول/أكتوبر 2026، أن مستقبل كوردستان لا يُضمن بالثروات النفطية والموارد الطبيعية، بل بطاقات وعقول الجيل الجديد، داعياً الشباب إلى أخذ زمام المبادرة لبناء اقتصاد إنتاجي متنوع بدلاً من انتظار ما تقدمه الحكومة، وجعل التعددية ركيزة قوة للمجتمع والدولة.
جاء ذلك في كلمة مفصلة ألقاها رئيس إقليم كوردستان خلال حفل تخرج الدورة الخامسة عشرة لطلبة الجامعة الأمريكية في السليمانية (AUIS).
صراع الأجيال واختلاف التحديات
واستهل نيجيرفان بارزاني كلمته بالمقارنة بين التحديات التاريخية وتحديات الحاضر، مبيناً أن “أكبر تحدٍّ واجه جيلنا كان حماية كوردستان، وصون الهوية القومية، والنضال في سبيل نيل الحرية، ومرحلة التأسيس والإعمار”، لافتاً إلى أن خريجي اليوم وجيل الشباب يقفون في المقابل أمام حزمة من الأسئلة والتحديات النوعية، وفي مقدمتها: “كيف تبنون اقتصاداً منتجاً؟ وكيف تفعلون المؤسسات وتصححون مسارات الأخطاء؟ وكيف توظفون التكنولوجيا المتقدمة دون التفريط بالقيم الإنسانية والأخلاقية؟ وإلى أي مدى تستطيعون جعل العراق وإقليم كوردستان طرفين منافسين وقادرين على التطور في عالم سريع التغير؟”، مشدداً على أن الإجابات التي سيقدمها هذا الجيل ستشكل جوهر الملامح المستقبلية للبلاد.
وفرة المعلومات وعمق المعرفة
وتطرق بارزاني إلى طبيعة العصر الرقمي، مشيراً إلى أن الوصول إلى المعلومة بات متاحاً وسريعاً مقارنة بالعقود السابقة التي كانت تتطلب أشهراً من البحث، غير أنه نبّه إلى أن “كثرة المعلومات لا تعني بالضرورة عمق المعرفة؛ فالمسألة الجوهرية لم تعد مرتبطة بحجم ما يحفظه الإنسان من معلومات، بل بكيفية تفكيره، وقدرته على التمييز بين الحقائق الراسخة والدعاية الموجهة، والفصل بين العلم الموضوعي ومجرد الآراء الشخصية، فضلاً عن امتلاك حس التحقق وطرح التساؤلات قبل إطلاق الأحكام والقرارات”.
وأضاف أن أعظم قيمة يجب أن تمنحها الجامعة لطلابها هي: “تكوين عقل مستقل، حر، وناقد؛ عقل يتساءل بجرأة دون قيود أو رقابة ذاتية، ويمتلك في الوقت ذاته شجاعة المراجعة وتصحيح الأخطاء الذاتية”.
المبادرة الفردية ومفهوم المواطنة
وفي رسالة مباشرة إلى الخريجين، أكد نيجيرفان بارزاني أن الشهادة الجامعية تمثل مفتاحاً لفتح الأبواب لكنها لا ترسم المسار الحياتي للشخص، بل إن كل فرد هو من يحدد وجهته بنفسه، داعياً إلى تغيير الذهنية السائدة في التعامل مع الدولة: “يجب ألا يكون سؤالكم الأول: ماذا ستقدم الحكومة لنا؟ بل ينبغي أن تسألوا أنفسكم: ما الذي يمكنني أن أقدمه أنا؟ وما هي المشكلات التي أستطيع معالجتها؟ وما هي المشاريع التي يمكنني من خلالها ابتكار فرص عمل لي وللآخرين؟ فالأوطان لا ترتقي بما يأخذه المواطن منها، بل بحجم ما يسهم به في بنائها”.
وتابع: “مستقبلنا لن تحدده الموارد الطبيعية وحدها؛ فالثروة الحقيقية ليست النفط، بل عقولكم، وأفكاركم، وروح المبادرة لديكم”.
التنوع كعنصر قوة في العراق وكوردستان
وتناول رئيس إقليم كوردستان تجربة التعايش داخل الحرم الجامعي، موضحاً أن الطلبة أتوا من مدن وخلفيات ومكونات ثقافية متعددة، ونجحوا في العمل والتعلم المشترك، وهي التجربة التي يحتاجها العراق بأكمله، مؤكداً: “ليس شرطاً أن نكون نسخاً متطابقة لكي نتمكن من العيش المشترك وإعمار الوطن؛ فاختلاف الرؤى ووجهات النظر لا ينبغي أن يتحول إلى قطيعة وجفاء. قوتنا الحقيقية تكمن في تنوعنا لا في تماثلنا، والعراق وإقليم كوردستان بحاجة ماسة اليوم إلى جيل يحول هذا التنوع إلى رافد من روافد القوة، ويحافظ على جسور الحوار البنّاء مع الشركاء دون انقطاع”.
مواجهة القلق والتطور التكنولوجي
وعن الهواجس التي تعتري فئة الشباب إزاء التحديات العالمية الراهنة كالحروب، والتغير المناخي، وطفرات الذكاء الاصطناعي، وصف بارزاني هذا القلق بالطبيعي والمفهوم، مؤكداً في الوقت ذاته أن “التطور التكنولوجي، رغم تقديمه حلولاً وإجابات واسعة، سيعجز دائماً عن الحلول محل الإرادة والقرار الإنساني الخالص”.
واختتم كلمته بالاستناد إلى التاريخ المعاصر، قائلاً: “علمتنا تجربة كوردستان أن الواقع مهما بلغت قسوته وتعقيداته ليس قدراً أبدياً لا يتغير؛ لقد عاشت كوردستان أياماً كان يُنظر فيها إلى ما نحن عليه اليوم كضرب من المحال والخيال، لكن شعبنا لم يتوقف يوماً عن التعلم والنضال والإصرار. إنني أدعوكم لقراءة الواقع كما هو، ومواصلة الطريق رغم المصاعب، والتمسك بالإيمان بقدرتكم على التغيير المقترن بالعمل الجاد والمسؤولية والمبادرة، مع الحفاظ الكامل على هويتكم وأصالتكم بالتوازي مع الانفتاح الفكري الواعي على العالم”.

