حملت أوساط سياسية وإعلامية عراقية بشدّة على قرار حكومة رئيس الوزراء محمّد شياع السوداني إجراء المزيد من المفاوضات مع تركيا بهدف تأمين الكميات الضرورية لتلبية حاجة العراق من المياه خلال المدى المنظور.
وجاء ذلك إثر الإعلان، الأحد، عن اتفاق ثلاثة وزراء في الحكومة على التفاوض مع الجانب التركي لتأمين المياه للبلاد خلال الشهرين المقبلين الأمر الذي اعتبره منتقدو السياسات الحكومية في مجال المياه دليل عجز عن إيجاد حلول حقيقية للمعضلة التي باتت تشكل تهديدا وجوديا للعراق وسكانه، وعدم القدرة على فرض حصول البلد على حقوقة المائية من جارته الشمالية بقوة القانون الدولي، وكحقوق مشروعة لا كهبات.
ويستند هؤلاء إلى كون المفاوضات لم تنقطع أصلا ولم تفض إلى أيّ اختراق في الموقف التركي المتشدّد إزاء مسألة تقاسم مياه نهري دجلة والفرات، حيث أدلى الجانب التركي بما لديه عارضا على الجانب العراقي “تنازلات” طفيفة بعيدة كل البعد عن حل أزمته المائية المستفحلة، ومقترحا على بغداد مساعدات تقنية في ترشيد استهلاك الماء وحسن التصرّف فيه.
ويبدو العراق قد تجاوز الخط الأحمر في أزمة المياه التي أصبح نقصها وحتى ندرتها في بعض الأحيان ماثلة للعيان من خلال خلو مجاري الأنهار من الماء وانحساره عن مناطق غدت جافة بالكامل ومتشققة بعد أن كانت مغمورة بالمياه وتمارس فيها أنشطة زراعية على نطاق واسع مثل زراعة الأرز المغمور وتربية الجواميس وحتى الصيد السمكي بالقوارب التي باتت أعداد كبيرة منها مهجورة وملقاة في أماكن جافة ومغبرّة كما لو أنها لم تكن يوما بركا طافحة بالمياه وغنية بالأسماك.
وورد في بيان لوزارة الزراعة العراقية أن اجتماعا تشاوريا ثلاثيا ضم وزير الزراعة عباس المالكي ووزير الموارد المائية عون ذياب ووزير البيئة هَلو العسكري ركز أعماله بشكل رئيس على موضوع تأمين مياه الشرب والاستخدامات البشرية والحفاظ على الوضع البيئي للأنهار وحمايتها من التلوث ومناقشة الخطة الزراعية للموسم الشتوي.
وذكر البيان أنه تم اتخاذ جملة من القرارات أهمها، السعي بشكل سريع للتفاوض مع الجارة تركيا بما يتناسب مع حاجة العراق من المياه خلال شهري أكتوبر ونوفمبر القادمين.
وقال الوزير ذياب في تصريحات صحفية عقب الاجتماع إن تأمين مياه الشرب ومياه الاستخدامات البشرية للمواطنين يأتي في المرتبة الأولى، ويأتي بعده الحفاظ على الوضع البيئي للأنهار، ثم يأتي موضوع الزراعة.
ويظهر قصر المدى الزمني للهدف المراد تحقيقه والمحدّد بشهرين فقط وكذلك ترتيب الأوليات الحكومية إلى درجة تأخير مسألة الزراعة المرتبطة بالأمن الغذائي للبلاد مدى حراجة الأزمة وطابعها الاستعجالي.
واعتبر الوزير أنّ أهم قرار خرج به الاجتماع هو السعي بشكل سريع للتفاهم مع تركيا على زيادة الاطلاقات المائية بما يتناسب مع حاجة العراق خلال الشهرين المقبلين، مذكّرا بأنّ العراق “يمر حاليا بأشد سنوات الجفاف بشكل غير مسبوق،” واصفا السنة الحالية بأنها “من أسوأ السنوات المائية منذ أكثر من تسعين عاما.”
وأرجع أسباب الأزمة إلى التغيرات المناخية واستمرار دول المنبع، وخاصة الجارة تركيا، في إنشاء المشاريع الخزنية والإروائية على منابع الأنهار، ما انعكس سلبا على الواردات المائية لنهري دجلة والفرات وأثّر على الواقع البيئي والزراعي في البلاد.
وتمّ خلال الاجتماع الوزاري الثلاثي تشخيص الأزمة تفصيليا عن طريق عرض توضيحي حول الإيرادات المائية للسنة الحالية مقارنة بالعام الماضي وواقع تخزين السدود والتأثيرات على حوضي دجلة والفرات والخزين المائي المتوقع خلال الشهر المقبل ونسبة التركيز الملحية في النهرين والارتفاع غير المسبوق في ملوحة شط العرب.
وترتبط بأزمة المياه في العراق أزمة موازية لا تقل خطورة وتحمل أبعادا صحية مؤثرة على سلامة السكان واستدامة مواردهم، وهي أزمة التلوث البيئي التي تطرق إليها وزير البيئة عبر إيجاز عرض فيه مشكلة التلوث في مجاري الأنهار نتيجة رمي الملوثات والمخلفات الصناعية.
وكما تنطوي الأزمة على مخاطر وجودية من ضمنها الاختلال المنتظر في التوزيع الديمغرافي للسكان جرّاء نزوح أعداد كبيرة منهم من المناطق الزراعية نحو المدن المكتظة أصلا، بحثا عن موارد رزق بديلة عن الزراعة التي لم يعد شح المياه يسمح بممارستها، فإنها تنطوي أيضا على إخلال كبير بالأمن الغذائي للبلاد.
وأشار وزير الزراعة خلال الاجتماع إلى أهمية التكيف مع الوضع المائي الراهن الذي وصفه بالأقسى منذ سنوات، داعيا إلى ترشيد استهلاك المياه وتقنين استخدامها في القطاع الزراعي.
ومما خرج به الوزراء من اجتماعهم توصيات سيتم عرضها على مجلس الوزراء على رأسها تشكيل فريق وزاري عالي المستوى بالإضافة إلى الفريق الفني للتفاوض مع تركيا لزيادة الإطلاقات المائية بما يتناسب مع حاجة العراق خلال فترة الستين يوما القادمة.
ولا يبدي المهتمون بملف المياه في العراق أيّ تفاؤل بإمكانية حلّ المعضلة المائية عبر التفاوض مع تركيا متوقّعين أن المقترح الوزاري في حال تنفيذه لن يقود سوى إلى إغراق العراق في متوالية لا متناهية من التفاوض مع أنقرة التي أظهرت براعة في إطالة أمد المفاوضات مغدقة الوعود على بغداد بهدف محدّد هو الحفاظ على العلاقات الحيوية المتنامية معها دون تمكينها بالفعل من أيّ مكاسب حقيقية في مجال المياه التي تقول تركيا إنّها تواجه بدورها نقصا حادّا فيها وإنها في حاجة إلى الحفاظ على كل قطرة منها لتلبية طموحاتها التنموية الكبيرة والاستجابة لمشاريعها الصناعية والزراعية الضخمة التي أقامت بسببها سلسلة من السدود لاحتجاز كميات ضخمة من الماء على حساب حصة الجارتين سوريا والعراق.
العرب

