التاريخ الكوردستاني هو جرح حي ينبض في ذاكرة كل من عاش تفاصيله، وعندما تمر علينا ذكرى قصف مخيم “زيوه” عام 1985، لا نعود بالزمن إلى الوراء لمجرد الاستذكار، بل لنستحضر محطة من أقسى محطات الإبادة والتضحية، ونستلهم منها كيف تولد الإرادة من رحم الفجيعة.
وفي رسالته المؤثرة بمناسبة هذه الذكرى الأليمة، لخص الرئيس مسعود بارزاني حجم المأساة بوصفه ذلك اليوم بأنه أحد أكثر أيام حياته “حزناً ومرارة”، كلمات الرئيس بارزاني، عندما یقول، “كان نحيب وعويل الأمهات الثكالى والأجساد المحترقة للشهداء وأشلاؤهم المتناثرة وأنين ودماء الجرحى في زيوه تهزّ قلب ووجدان كل صاحب ضمير حي” لیست مجرد توصيف سياسي، بل هي تعبير عن جرح عميق في وجدان القيادة والشعب معاً.
إن هذا الاستهداف الغادر كان جريمة حرب مكتملة الأركان نفذتها طائرات النظام العراقي البائد ضد مدنيين عزل، من أطفال ونساء شردوا من ديارهم فلاحقتهم آلة الموت لتسفك دماءهم الطاهرة على أرض اللجوء.
وفي تلك الفترة العصيبة من ثمانينيات القرن الماضي، كنت واحداً من الآلاف الذين تجرعوا مرارة ذلك اللجوء، حيث كنت أقيم في مدينة كرج الإيرانية، ورغم قسوة الغربة، ومرارة البعد عن تراب الوطن، إلا أن روحي لم تغادر كوردستان يوماً، بل كان حسي الوطني جياشاً، نابضاً بكل تفاصيل الثورة والنضال.
وعندما وصلني خبر مجزرة زيوه الفظيعة وأنا في مدینة كرج القریبة من طهران، لم يكن الوجع محصوراً في حدود المخيم المستهدف، بل سرى كصدمة كهربائية زلزلت كياننا جميعاً، وفي تلك اللحظة تلاشت المسافات الجغرافية، ورأينا في عيون الأمهات من حولنا ذات النحيب، وفوق أشلاء الشهداء رأينا مصيرنا المشترك ومظلومية شعبنا الأعزل، مما أثبت أن الغربة لا تزيد الكوردستاني إلا تمسكاً بهويته، وأن الدم الذي سال في زيوه هو دمنا جميعاً.
الرهان الخاسر لسلطات بغداد آنذاك كان يظن أن أشلاء الضحايا ودماء الجرحى ستكسر معنويات الشعب الكوردستاني وتجبر قيادته على الاستسلام، لكن، وكما أكد الرئيس بارزاني في رسالته، فإن تلك الجريمة البشعة انقلبت وبالاً على الطغاة، إذ زادت من إصرار وقوة إرادة البيشمركة وأبناء شعب كوردستان لمواصلة النضال ضد الظالمين وسلطات العراق آنذاك.
لقد تحول الحزن في قلوب قوات البيشمركة الأبطال إلى طاقة غضب وثورة، وتحول نحيب الأمهات إلى نشيد وطني يحث على الصمود، فبدلاً من التراجع، تقدمت الحركة التحررية بخطى أثبت، مستمدة شرعية نضالها من دماء شهداء “زيوه” وحلبجة والأنفال، حتى تحطم الطغيان وتحررت أرض كوردستان.
إن قراءة الرئيس بارزاني التاريخية والوجدانية لمجزرة زيوه تعيد تنبيه الأجيال الحالية والقادمة بالثمن الباهظ الذي دفع من أجل الحرية الكوردستانية، ونحن الذين عشنا تلك الحقبة كلاجئين، وحملنا جراح الوطن وحسنا الوطني في منافينا، ندرك تماماً أن الكيان الدستوري الحالي لإقليم كوردستان لم يُمنح كهدية، بل عمد بدماء الشهداء المحترقة.
وستبقى زيوه دائماً شاهداً حياً على مظلومية شعب، وعنواناً عريضاً لانتصار الإرادة على الظلم، ولتظل أرواح شهداء ذلك اليوم المأساوي الطاهرة قناديل تضيء طريق الحرية والاستقرار لكوردستان.
بقلم الدکتور سامان سوراني

