تطوي سوريا صفحة امتدت لنحو 47 عاماً من العزلة السياسية والاقتصادية الأميركية، بعدما أنهت واشنطن تصنيفها ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب، في خطوة تحمل أبعاداً تتجاوز الجانب القانوني لتفتح الباب أمام مرحلة جديدة في العلاقات بين البلدين، وتمنح دمشق فرصة لتخفيف واحدة من أبرز القيود التي أثقلت اقتصادها خلال العقود الماضية.
واعتبر الرئيس السوري أحمد الشرع أن القرار يمثل نقطة تحول في تاريخ بلاده، قائلاً إن سوريا «تمزق بأيديها صفحة من ماضيها الأليم لتنطلق إلى فضاء التنمية والإعمار والبناء».
وتعكس تصريحات الشرع الرهان السوري على أن إنهاء التصنيف يمكن أن يشكل مدخلاً لتوسيع الانفتاح الدولي وجذب الاستثمارات والمساهمة في إعادة بناء اقتصاد أنهكته سنوات الحرب والعقوبات.
ويأتي القرار الأميركي في سياق مسار تدريجي لإعادة ترتيب العلاقة مع دمشق، بعدما شهدت الفترة الأخيرة اتصالات وتحركات سياسية هدفت إلى الانتقال من سياسة العزلة والضغط إلى التعامل مع الحكومة السورية الجديدة على أساس دعم الاستقرار وإعادة الإعمار.
ويكتسب رفع سوريا من القائمة أهمية خاصة بالنظر إلى أن تصنيف «الدول الراعية للإرهاب» لم يكن مجرد إجراء رمزي، بل ارتبط على مدى سنوات بمجموعة واسعة من القيود التي حدّت من قدرة دمشق على الوصول إلى النظام المالي الدولي، وفرضت قيوداً على صادرات التكنولوجيا والمساعدات الأميركية، فضلاً عن تأثيره في قرارات الشركات والمستثمرين الراغبين في دخول السوق السورية.
ومن شأن إنهاء التصنيف أن يبعث بإشارة سياسية واقتصادية إلى المؤسسات المالية والشركات الدولية، خصوصاً إذا تزامن مع تخفيف أوسع للعقوبات الأميركية والأوروبية المفروضة على سوريا.
كما يمكن أن يساعد القرار دمشق في تحسين فرصها للحصول على التمويل والاستثمار، وإعادة بناء قطاعات أساسية مثل الطاقة والنقل والبنية التحتية.
لكن الخروج من قائمة الدول الراعية للإرهاب لا يعني تلقائياً انتهاء جميع العقوبات المفروضة على سوريا أو عودة العلاقات الأميركية-السورية إلى طبيعتها السابقة. فهناك إجراءات وعقوبات أخرى تحتاج إلى قرارات منفصلة، كما أن انفتاح المؤسسات الدولية والشركات الكبرى على الاقتصاد السوري سيظل مرتبطاً بتطورات سياسية وأمنية واقتصادية أوسع.
وتواجه دمشق بالتالي اختباراً مزدوجاً: كيفية تحويل القرار الأميركي إلى مكاسب اقتصادية ملموسة، وكيفية طمأنة المجتمع الدولي إلى أن المرحلة الجديدة ستقوم على الاستقرار والانفتاح والتعاون. فرفع التصنيف يمكن أن يزيل عقبة مهمة أمام الاستثمار، لكنه لا يكفي وحده لمعالجة آثار سنوات الحرب والدمار والعقوبات.
وبالنسبة إلى واشنطن، يبدو القرار جزءاً من إعادة تقييم لسياسة التعامل مع سوريا، إذ بات الاستقرار السوري وإعادة دمج البلاد في محيطها الإقليمي والدولي من الملفات التي تتقاطع مع مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. كما أن فتح قنوات اقتصادية وسياسية مع دمشق قد يوفر لواشنطن أدوات تأثير جديدة بدلاً من الاعتماد حصراً على سياسة العقوبات.
وتحمل الخطوة كذلك رسائل إلى الحلفاء والشركاء الإقليميين، ولا سيما الدول التي بدأت منذ فترة الدفع باتجاه إعادة سوريا إلى محيطها العربي وتوفير الظروف اللازمة لإعادة إعمارها.
وقد يؤدي القرار الأميركي إلى تسريع هذا المسار، إذا اعتبرت دول أخرى أن إزالة أحد أبرز القيود الأميركية توفر هامشاً أوسع للتحرك الاقتصادي والسياسي تجاه دمشق.
ومع ذلك، فإن التحدي الأكبر أمام الحكومة السورية سيكون في ترجمة الانفراج السياسي إلى تحسن في حياة السوريين. فإعادة الإعمار تحتاج إلى مليارات الدولارات، وإلى بيئة استثمارية مستقرة، ومؤسسات قادرة على إدارة الموارد، فضلاً عن تسوية الملفات السياسية والأمنية التي لا تزال تؤثر في مستقبل البلاد.
وبذلك، يمثل خروج سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب نهاية فصل طويل من العلاقة المتوترة مع الولايات المتحدة، لكنه في الوقت نفسه بداية مرحلة أكثر تعقيداً. فبعد 47 عاماً من التصنيف، تنتقل دمشق من معركة رفع القيود إلى معركة إثبات قدرتها على استثمار الانفتاح الأميركي في بناء اقتصاد أكثر انفتاحاً واستقراراً، وإعادة البلاد تدريجياً إلى النظام الإقليمي والدولي.

