عاد ملف السلاح خارج إطار الدولة إلى صدارة النقاش السياسي العراقي، في لحظة تبدو من أكثر اللحظات حساسية منذ انتهاء الحرب على تنظيم داعش. فبعد سنوات من الجدل حول مستقبل الفصائل المسلحة ودورها داخل المنظومة الأمنية والسياسية، تتجه الأنظار مجددا إلى النجف، حيث يراهن عدد من الفاعلين السياسيين على دور المرجع الديني الأعلى علي السيستاني في فتح الطريق أمام تسوية تاريخية لقضية طالما شكلت أحد أكبر التحديات أمام بناء الدولة العراقية الحديثة.
ويأتي هذا الحراك بعد تداول معلومات عن تحرك مشترك بين زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي باتجاه المرجعية الدينية، بهدف الدفع نحو إصدار موقف أو فتوى جديدة تؤكد مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، بما ينسجم مع متطلبات المرحلة الحالية التي تختلف جذريا عن الظروف التي أحاطت بإصدار فتوى “الجهاد الكفائي” عام 2014.
ولا يتعلق الأمر هنا بجدل فقهي أو ديني بقدر ما يرتبط بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والقوى المسلحة في عراق ما بعد داعش. ففتوى الجهاد الكفائي التي صدرت في لحظة انهيار أمني خطير أسهمت في تعبئة مئات الآلاف من المتطوعين لمواجهة التنظيم المتطرف، وأدت عمليا إلى ولادة الحشد الشعبي بوصفه قوة لعبت دورا محوريا في استعادة الأراضي التي سيطر عليها داعش. لكن الواقع الذي أفرزته تلك المرحلة أنتج أيضا مشهدا أمنيا وسياسيا معقدا، تتداخل فيه مؤسسات الدولة مع قوى مسلحة تمتلك نفوذا واسعا وقدرات عسكرية وتنظيمية مستقلة نسبيا.
وبعد مرور أكثر من عقد على تلك الفتوى، يرى مؤيدو التوجه الجديد أن العراق لم يعد يواجه الخطر الوجودي نفسه الذي كان قائما عام 2014، وأن الأولوية انتقلت من الدفاع عن الدولة إلى استكمال بنائها. ومن هذا المنطلق يعتقد هؤلاء أن الحاجة أصبحت ملحة لإعادة التأكيد على مبدأ احتكار الدولة للسلاح والقرار الأمني، باعتباره أحد الشروط الأساسية لترسيخ الاستقرار السياسي وتعزيز هيبة المؤسسات الرسمية.
ويعكس الرهان على السيستاني إدراكا واسعا لحجم التأثير الذي لا تزال تتمتع به المرجعية الدينية في النجف داخل المجتمع الشيعي العراقي. فالمرجعية كانت صاحبة الكلمة الأكثر تأثيرا خلال محطات مفصلية شهدها العراق في العقدين الماضيين، بدءا من مرحلة ما بعد 2003 ومرورا بالحرب ضد داعش ووصولاً إلى دعم الإصلاحات السياسية ومكافحة الفساد.
ويعتقد أنصار هذا التوجه أن أي موقف واضح يصدر عن المرجعية بشأن مستقبل السلاح خارج إطار الدولة يمكن أن يغير قواعد اللعبة، نظرا إلى المكانة المعنوية التي يحتفظ بها السيستاني لدى قطاعات واسعة من العراقيين، بمن في ذلك جمهور العديد من الفصائل التي تأسست أو توسعت استنادا إلى فتوى الجهاد الكفائي نفسها.
وفي هذا السياق تبرز مؤشرات على أن التيار الصدري يسعى إلى تقديم نفسه باعتباره جزءا من مشروع إعادة بناء الدولة. وتشير معطيات متداولة إلى استعدادات داخل التيار لاتخاذ خطوات تتعلق بتنظيم وضع “سرايا السلام” وتسليم جزء من أسلحتها أو دمجها ضمن الأطر الرسمية، في محاولة لإظهار الجدية في الدعوة إلى توحيد السلاح تحت سلطة الدولة وعدم الاكتفاء بالشعارات السياسية.
لكن الطريق نحو تحقيق هذا الهدف لا يبدو سهلاً. فهناك قوى نافذة داخل المشهد الشيعي العراقي تنظر بعين الريبة إلى أي محاولة لإعادة فتح ملف الجهاد الكفائي أو إعادة تفسير نتائجه السياسية والأمنية. وترى هذه الأطراف أن الحشد الشعبي لم يعد مجرد تشكيل عسكري نشأ استجابة لظرف استثنائي، بل تحول إلى مؤسسة رسمية أقرها القانون العراقي وأصبحت جزءا من المنظومة الأمنية للدولة.
ومن هذا المنطلق تخشى تلك القوى أن يؤدي أي حديث عن فتوى جديدة أو مراجعة سياسية لمسار ما بعد 2014 إلى فتح الباب أمام مطالبات أوسع بإعادة هيكلة الحشد الشعبي أو تقليص نفوذ الفصائل المسلحة داخل الدولة ومؤسساتها. كما تعتبر أن مثل هذه الخطوات قد تؤدي إلى إحداث خلل في التوازنات التي تشكلت خلال السنوات الماضية داخل النظام السياسي العراقي.
وتزداد تعقيدات الملف بسبب أبعاده الإقليمية. فالفصائل العراقية المسلحة لا تمثل فقط لاعبا محليا مؤثرا، بل تعد أيضا جزءا من شبكة التحالفات الإقليمية المرتبطة بإيران. ولذلك فإن أي تحرك يهدف إلى تقليص نفوذ هذه الفصائل أو إعادة تعريف دورها لا يُنظر إليه باعتباره شأنا عراقيا داخليا فحسب، بل باعتباره خطوة قد تكون لها انعكاسات على توازنات النفوذ في المنطقة بأكملها.
ولهذا السبب يعتقد مراقبون أن النقاش الدائر حول السلاح في العراق يتجاوز مسألة الأمن الداخلي ليصل إلى قلب الصراع بين رؤيتين لمستقبل الدولة العراقية. الأولى تدعو إلى تكريس نموذج الدولة المركزية التي تحتكر القوة والسلاح والقرار الأمني، والثانية ترى أن الظروف الإقليمية والتهديدات المستمرة تبرر استمرار وجود قوى مسلحة موازية أو شبه مستقلة ضمن معادلة الردع والأمن.
وفي خضم هذا السجال تبدو المرجعية الدينية حريصة على تجنب الانخراط المباشر في الصراعات السياسية اليومية. فقد اعتادت النجف خلال السنوات الأخيرة تبني مقاربة تقوم على تقديم المبادئ العامة وتجنب الدخول في تفاصيل التنافس بين القوى السياسية. غير أن تصاعد الجدل حول مستقبل السلاح قد يدفعها في مرحلة معينة إلى بلورة موقف أكثر وضوحا، خاصة إذا رأت أن استمرار الوضع القائم يهدد استقرار الدولة أو يعرقل عملية بناء المؤسسات.
كما أن أي موقف يصدر عن السيستاني لن يكون بالضرورة في شكل فتوى مباشرة أو قرار حاسم، بل قد يأتي عبر توجيهات عامة أو رسائل سياسية ودينية تؤكد على أولوية الدولة وسيادة القانون، مع فسح المجال أمام القوى السياسية للتوصل إلى آليات تنفيذية وتوافقات عملية تضمن تطبيق هذه المبادئ دون الدخول في مواجهات داخلية.
في النهاية، لا يتعلق الجدل الدائر اليوم في العراق بفتوى الجهاد الكفائي وحدها، ولا بمستقبل الحشد الشعبي فقط، بل بالسؤال الأعمق الذي يواجه الدولة العراقية منذ سنوات: من يمتلك القرار الأمني النهائي في البلاد؟ وبينما يراهن البعض على كلمة من النجف لفتح صفحة جديدة عنوانها حصر السلاح بيد الدولة، تتمسك قوى أخرى بالمعادلات التي أفرزتها سنوات الحرب والصراع. وبين هذين المسارين يقف العراق أمام مفترق تاريخي؛ فإما أن ينجح في استكمال مشروع الدولة القادرة على احتكار القوة وفرض القانون على الجميع، أو يبقى أسير توازنات السلاح المتعدد ومراكز النفوذ المتنافسة، بكل ما يحمله ذلك من تحديات لمستقبل الاستقرار والسيادة الوطنية.
العرب

